بحث متقدم
الزيارة
6763
محدثة عن: 2013/11/09
خلاصة السؤال
ما سبب تحول القریة إلى مدینة فی الآیات القرآنیة " وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْیَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ" و قوله تعالى بعد ذلک " وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِینَةِ رَجُلٌ یَسْعَى قَالَ یَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِینَ" و ایضا فی سورة الکهف و فی سورة یوسف؟
السؤال
ما سبب تحول القریة إلى مدینة فی الآیات القرآنیة " وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْیَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ" و قوله تعالى بعد ذلک " وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِینَةِ رَجُلٌ یَسْعَى قَالَ یَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِینَ" و ایضا فی سورة الکهف و فی سورة یوسف؟
الجواب الإجمالي
الف: ذهب بعض المفسرین الى ان المدینة فی الآیة 20 من سورة یس  نفس القریة المذکورة فی قوله: "أَصْحابَ الْقَرْیَةِ[1]، عبر عنها هنا بالمدینة تفنناً.[2]
ب: القریة: یلاحظ فیها التجمّع سوا کان فی عمارة أو فی أفراد من الناس و المدینة: یلاحظ فیها مفهوم الاقامة و النظم و التدبیر.
فإطلاق القریة فی مورد یلاحظ فیه مطلق التجمّع من دون نظر الى نظم أو تدبیر، و لا یلاحظ فیها أیضا کون المحلّ محدودا أو متّسعا، کما هو المتفاهم فی عرف الناس، فیطلقون القریة على بلیدة صغیرة محدودة، مع أنّ القریة قد أطلقت فی القرآن الکریم على مدینة متّسعة کبیرة إذا خلت عن النظم الصحیح و المدنیّة " وَ ما أَرْسَلْنا فِی قَرْیَةٍ مِنْ نَذِیرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها".
ج. تطلق المدینة على المکان الذی یقطنه الانبیاء و المؤمنون و مع خلو المکان عنهما یطلق علیه عنوان القریة، و تربط ذلک بالبعد الایمانی و المعنوی فتستعمل القریة حیث لا ایمان و المدینة حیث الایمان هو السائد لکن لا یمکن التسلیم بعمومیتها لاستعمال المدینة و القریة فی آن واحد على اماکن تتسم بالکفر و الانحراف کما فی قصة النبی لوط (ع).
 

[1] یس،13.
[2] ابن عاشور، محمد بن طاهر، التحریر و التنویر، ج‏22، ص21.
الجواب التفصيلي
الْقَرْیَةُ: اسم للموضع الذی یجتمع فیه الناس، و للناس جمیعا، و یستعمل فی کلّ واحد منهما.[1] و مدن بالمکان: أقام به، و به سمّیت المدین.[2] و قد تطلق المدینة و یراد بها خصوص مدینة الرسول الاکرم (ص) التی کانت تعرف بیثرب کما فی قوله تعالى " ما کانَ لِأَهْلِ‏ الْمَدِینَةِ وَ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ یتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ".[3] و یشتق من المدینة التمدن و المدنیة و السکن فی المدن و التمدن اعمار المدن و بناؤها.[4]
و یتحصل من خلال مراجعة استعمال القرآن لمفردة القریة الواردة فی آیات القرآن التی تجاوز عددها الخمسین الاطمئنان بان المراد منها مطلق العمران و البناء الظاهری المادی الشامل للقریة و المدینة معا و لا یقع مقابل القریة مصطلح المدینة  بل الذی یقابلها مصطلح البدو و البادیة التی تعنی المناطق القفراء و القاحلة الخالیة من أی عمران[5]؛ و من هنا قال بعض المفسرین: و کذلک تسمى المدینة أیضا قریة.[6] و لکن قد یستفاد لغة من المدینة ما لا یستفاد من القریة کقوله (ص): "انا مدینة العلم و علی بابها"[7] الاکثر وضوحا و تعبیرا من القریة.[8]
لکن یبقى السؤال عن سبب استعمال مفردة القریة و المدینة مکان واحد فتارة تستعمل له مفردة القریة و اخرى مفردة المدینة؟ و هو بنفسه یثیر السؤال التالی: ما الفرق بین القریة و المدینة فی القرآن؟
القریة و المدینة فی القرآن
الف: ذهب بعض المفسرین الى ان المدینة فی الآیة 20 من سورة یس  نفس القریة المذکورة فی قوله: "أَصْحابَ الْقَرْیَةِ[9]، عبر عنها هنا بالمدینة تفنناً.[10]
ب: القریة: یلاحظ فیها التجمّع سوا کان فی عمارة أو فی أفراد من الناس، و بینهما عموم و خصوص من وجه. و المدینة: یلاحظ فیها مفهوم الاقامة و النظم و التدبیر.
فإطلاق القریة فی مورد یلاحظ فیه مطلق التجمّع من دون نظر الى نظم أو تدبیر، و لا یلاحظ فیها أیضا کون المحلّ محدودا أو متّسعا، کما هو المتفاهم فی عرف الناس، فیطلقون القریة على بلیدة صغیرة محدودة، مع أنّ القریة قد أطلقت فی القرآن الکریم على مدینة متّسعة کبیرة إذا خلت عن النظم الصحیح و المدنیّة " وَ ما أَرْسَلْنا فِی قَرْیَةٍ مِنْ نَذِیرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها".[11]
و ورد مثل تلک النسبة فی سورة الکهف عندما اقبل موسى و صاحبه الى منطقة لم یضیوفوهما فجاء التعبیر القرآن عنها  بالقریة " فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَیا أَهْلَ قَرْیةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ یضَیفُوهُم"[12] و لما قام مصاحب بموسى بإقامة الجدار و تعمیره و سأله موسى عن ذلک استعمل فی الجواب مفردة المدینة مشیرا الى ایمان الأب " وَ أَمَّا الْجِدارُ فَکانَ لِغُلامَینِ یتیمَینِ فِی الْمَدینَةِ وَ کانَ تَحْتَهُ کَنْزٌ لَهُما وَ کانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّکَ أَنْ یبْلُغا أَشُدَّهُما وَ یسْتَخْرِجا کَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّک..."[13]
ج. تطلق المدینة على المکان الذی یقطنه الانبیاء و المؤمنون و مع خلو المکان عنهما یطلق علیه عنوان القریة؛ و علیه کلما کان الحدیث عن المکان الذی یعمه الایمان و الرسل الالهیون تستعمل مفردة المدینة و العکس صحیح. و من هنا قد یستوحى من ذلک انه تمدن البلدان و نمو المجتمعات یرتبط ارتباطا وثیقا بایمان الناس فالمدینة التی یقطنها الکافرون و یکون المؤمنون هم الثلة المستضعفة، قریة و ان توسعت و القریة التی یقطنها المؤمنون مدینة و ان صغرت.[14] و یؤید ذلک مجموعة من الآیات:
1. «رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْیةِ الظَّالِمِ أَهْلُها»،[15] فلما کن الحدیث هنا عن الکافرین عبر عن المکان الذی یقطنونه بالقریة.
2. «وَ سْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْیةِ الَّتی‏ کانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ یعْدُونَ فِی السَّبْتِ إِذْ تَأْتیهِم».[16]
3. «وَ لُوطاً آتَیناهُ حُکْماً وَ عِلْماً وَ نَجَّیناهُ مِنَ الْقَرْیةِ الَّتی‏ کانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِث...».[17] فلما کان الحدیث عن مکان کان یعج بالکافرین و یعمل اصحابه الکبائر جاء بالتعبیر بالقریة.
4. «وَ لَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْیةِ الَّتی‏ أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ...».[18]
و لکن هذا المعنى لا یقبل به على عمومیته حیث اطلقت کلمة المدینة على نفس المکان الذی وصف بالقریة فی آیات اخرى کما فی قوله تعالى " وَ جاءَ أَهْلُ الْمَدینَةِ یسْتَبْشِرُونَ"[19] التی تتحدث عن قوم لوط علیه السلام.
فالمتحصل من النظریات الثلاثة ان الاولى تؤکد ان ذلک من فنون البلاغة و جمالیة التعبیر وفنون الکلام القرآنی، و من الثانیة ان القضیة ترتبط بالعمران و النظم و عدمهما ، و  اما النظریة الثالثة فتربط ذلک بالبعد الایمانی و المعنوی فتستعمل القریة حیث لا ایمان و المدینة حیث الایمان هو السائد لکن لا یمکن التسلیم بعمومیتها کما قلنا.
 

[1] الراغب الاصفهانی، حسین بن محمد، المفردات فی غریب القرآن، ص: 669، دار القلم، بیروت.
[2] التحقیق فی کلمات القرآن الکریم، ج‏11، ص: 54.
[3]  التوبة، 120.
[4] فرهنگ أبجدی عربی-فارسی، ص 258.
[5] انظر: جوادی آملی، عبد الله، تفسیر تسنیم، ج 4، ص 553، اسراء، قم، 1389 ش.
[6] الطوسی، محمد بن حسن، التبیان فی تفسیر القرآن، ج 4، ص 474، دار احیاء التراث العربی، بیروت، بدون تاریخ؛ تفسیر تسنیم، ج 4، ص 553.
[7] القمی، علی بن ابراهیم، تفسیر القمی، ج1، ص 68، دار الکتاب، قم، 1404 ق.
[8] تفسیر تسنیم، ج 4، ص 553.
[9] یس،13.
[10] ابن عاشور، محمد بن طاهر، التحریر و التنویر، ج‏22، ص21.
[11] مصطفوی، حسن، التحقیق فی کلمات القرآن الکریم، ج 9، ص 254، بنگاه ترجمه و نشر کتاب، طهران، 1360 ش.
[12] الکهف، 77.
[13] الکهف، 82.
[14] قرائتی، محسن، تفسیر نور، ج 9، ص 532، مرکز فرهنگی درسهایی از قرآن، طهران، 1383 ش.
[15]. نساء، 75.
[16]. اعراف، 163.
[17]. انبیاء، 74.
[18]. فرقان، 40.
[19] الحجر، 67.
س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    279727 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    257976 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    128473 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    114140 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    89188 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    60239 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    59832 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    57036 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    50333 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    47379 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...