بحث متقدم
الزيارة
4916
محدثة عن: 2011/10/06
خلاصة السؤال
هل أثبت التأریخ بان الامام الحسین (ع) قد إذن لاصحابه بما فیهم العباس (ع) بالتفرق عنه لیلة العاشر و أحل عنهم البیعة؟
السؤال
یقال أن الحسین (ع) إذن لاصحابه من غیر الهاشمیین لیلة العاشر من المحرم بالتفرق عنه و أحل لهم البیعة، ثم التفت الى بنی هاشم بما فیهم العباس (ع) و إذن لهم کذلک بالتفرق. فهل التأریخ الاسلامی یثبت ذلک أم لا؟
الجواب الإجمالي

نقلت المصادر المعتبرة التی تابعت کلمات الامام الحسین (ع) و مواقفه خلال المسیر الى کربلاء و فی لیلة و یوم العاشر من المحرم، أن: الامام (ع) اعلن فی اکثر من موقع خبر شهادته و اجاز لمن معه التفرق و احل لهم البیعة، و فی لیلة العاشر من المحرم قام بنفس الفعل حیث قال لاصحابه: "هذا اللیل قد غشیکم، فاتخذوه جملا، ثم لیأخذ کل رجل منکم بید رجل من أهل بیتی، تفرقوا فی سوادکم و مدائنکم حتى یفرج الله، فان القوم انما یطلبونی، و لو قد أصابونی لهوا عن طلب غیری..."

من هنا یتضح بان الامام (ع) اتاح لاصحابه الفرصة فی اختیار الموقف المناسب بکل حریة و عن بصیرة تامة و لم یسلبهم حق الاختیار، فکانت آخر فرصة یستطیع الامام (ع) منح الفرصة فیها لاصحابه هی لیلة العاشر من المحرم، الا أنهم اختاروا بتلک البصیرة التی یحملونها البقاء مع الامام و الاستشهاد تحت رکابه.

و یحدثنا التاریخ بأن أول من رفض الاستجابة لهذا الاقتراح أخوه العباس بن علی (ع) واخوته و ابناء الامام و سائر رجال البیت الهاشمی، حیث قال العباس بکلمة موجزة کثیرة الدلالة عمیقة المعنى: "لا أرَانا اللّه ذلِک أَبَداً".

الجواب التفصيلي

ورد فی المصادر المعتبرة التی تابعت کلمات الامام الحسین (ع) و مواقفه خلال المسیر الى کربلاء و فی لیلة و یوم العاشر من المحرم، أن: الامام علیه السلام أعلن فی اکثر من موقع خبر شهادته و اجاز لمن معه التفرق و أحل لهم البیعة، و فی لیلة العاشر من المحرم قام بنفس الفعل فقد روى الطبری فی تاریخة أن الامام (ع) قال لاصحابه: "هذا اللیل قد غشیکم، فاتخذوه جملا، ثم لیأخذ کل رجل منکم بید رجل من اهل بیتى، تفرقوا فی سوادکم و مدائنکم حتى یفرج الله، فان القوم انما یطلبونی، و لو قد أصابونی لهوا عن طلب غیرى..." [1]

و المتأمل فی هذا المقترح یراه یمثل آخر اختبار من قبل الامام الحسین (ع) لاصحابه و الذی یهدف من ورائه اعطاء الفرصة الکاملة لاصحابه (رض) و أهل بیته (ع) باتخاذ القرار بکل حریة و اختیار، کی لا تبقى أدنى شائبة اجبار عندهم او شبهة لدى من یأتی فی المستقبل لیدرس تلک الحرکة العظیمة، فلا یقال بانهم کانوا مجبرین على ذلک أو ان ما صدر منهم انما صدر حیاءً منه لا عن قناعة تامة!!!

و قد کان لهذا الاختبار ثمرته الکبیرة التی تجلت فی تلک الکلمات الرائعة و الرد المؤدب الذی صدر من الجمیع حیث عبر کل واحد عما تجیش به نفسه بکلمات عالیة المضامین تعبر عن نفس مفعة بالعشق الالهی، و کذلک تجلى ذلک فی المواقف الصلبة و الحرکات الشجاعة التی وقفها اصحابه علیه السلام فی ساحة المعرکة التی لا یوجد فیها أی تکافؤ فی القدرات و الامکانات العسکریة، تلک المواقف التی اذهلت المحللین و الباحثین.

و یحدثنا التاریخ بأن أول من رفض الاستجابة لهذا الاقتراح أخوه العباس بن علی (ع) حیث قال بکلمة موجزة کثیرة الدلالة عمیقة المعنى: "لا أرَانا اللّه ذلِک أَبَداً".[2] ولم یقتصر الامر على العباس وحده بل هذا کان رد جمیع رجال البیت الهاشمی، فقال له اخوته و ابناؤه و بنو أخیه و ابنا عبد الله بن جعفر: لم نفعل لنبقى بعدک؟!، لا أرانا الله ذلک ابدا، بداهم بهذا القول العباس بن على ثم انهم تکلموا بهذا و نحوه.[3]

من هنا یتضح بان الامام (ع) اتاح لاصحابه الفرصة فی اختیار الموقف المناسب بکل حریة و عن بصیرة تامة و لم یسلبهم حق الاختیار فکانت آخر فرصة یستطیع الامام (ع) منهح الفرصة فیها لاصحابه هی لیلة العاشر من المحرم، الا أنهم اختاروا بتلک البصیرة التی یحملونها البقاء مع الامام و الاستشهاد تحت رکابه مفضلین ذلک على العیش أیاما معدودة فی تلک الحیاة الفانیة. و مما لاریب أن ذلک لیس بالقرار السهل و الهین الذی یتمکن منه کل انسان، و إنما هو موقف عصیب و امتحان عسیر لا یخرج منه مرفوع الرأس الا اصحاب البصائر و الورع و رجال المهمات الصعبة الذین امتحن الله قلوبهم للایمان.

بل الاکثر من ذلک هناک بعض الامثلة وردت فی المصادر التاریخیة بان الامام (ع) أجاز لبعض اصحابه الذهاب و احل له البیعة عندما تعرض لمشکلة کبیرة فلم یقبل الانصراف و بقی ملازما للامام حتى استشهد معه (رض)، ذکر ذلک ابن عساکر عن محمّد بن بشیر الحضرمیّ الذی لازمَ الحسینَ و کان معه فی کربلاء، إذْ جاءه نبأُ ابنه أنّه اُسِرَ بثغر الریّ، فقال: عند الله أحتسبُه و نفسی، ما کنتُ أُحبُّ أن یُؤسَرَ، و لا أنْ أبقى بعده.

فسمع الحسینُ کلامه، فقال له: رحمک الله، و أنت فی حلٍّ من بیعتی، فاعملْ فی فکاک ابْنِک! قال: أکَلَتْنی السباعُ حَیّاً إنْ فارقتُکَ!

فقال له الحسین (ع): فأعْطِ ابنک هذه الأثواب البُرود، یستعِنْ بها فی فداء أخیه. فأعطاه خمسة أثواب.[4]

إنّ الکلمة لتقصُر عن التعبیر فی وصف موقف هؤلاء، کما أنّ الذهن لیعجز عن تصویر ما فی قلوبهم من الودّ و الإخلاص لإمامهم. إلاّ بتکرار عباراتهم نفسها.

وبهذه النفوس الکبیرة، و العقول البالغة الرشیدة، و القلوب الملیئة بالولاء، و المفعمة بالإخلاص، و علم الیقین بالموقف و المصیر، و بالشجاعة و الجرأة و البطولة النادرة و الثبات على الطریق، دخل الحسین علیه السلام معرکته الفاصِلة فی کربلاء.[5]



[1] الطبری أبو جعفر محمد بن جریر (م 310)، تاریخ‏الطبری،ج‏5،ص:419، تحقیق محمد أبو الفضل ابراهیم، بیروت، دار التراث، ط الثانیة، 1387/1967؛  عز الدین أبو الحسن علی بن ابی الکرم المعروف بابن الأثیر (م 630)، الکامل فی التاریخ ،ج‏4،ص:57، بیروت، دار صادر - دار بیروت، 1385/1965؛ الرازی ابو علی مسکویه (م 421)تجارب الأمم، ج‏2،ص:75 تحقیق ابو القاسم امامی، طهران، سروش، ط الثانیة، 1379ش. أبو الفرج عبد الرحمن بن علی بن محمد ابن الجوزی (م 597)،  المنتظم فی تاریخ الأمم و الملوک، ج‏5،ص:337، تحقیق محمد عبد القادر عطا و مصطفى عبد القادر عطا، بیروت، دار الکتب العلمیة، ط الأولى، 1412/1992.

[2] تاریخ‏الطبری،ج‏5،ص:419؛ تجارب‏الأمم،ج‏2،ص:75؛ الکامل،ج‏4،ص:58؛ المنتظم،ج‏5،ص:338؛ عبد الرحمن بن محمد بن خلدون (م 808) دیوان المبتدأ و الخبر فى تاریخ العرب و البربر و من عاصرهم من ذوى الشأن الأکبر، ج‏3،ص:30، تحقیق خلیل شحادة، بیروت، دار الفکر، ط الثانیة، 1408/1988.

[3] الطبری، مصدر سابق.

[4] مختصر تاریخ دمشق ، لابن منظور ( 7 / 129 - 130 )

[5] السیّد محمّد رضا الحسینی الجلالی، الحسین سماته و سیرته، ج1، ص108، دار المعروف للطباعة والنشر، قم المقدّسة، 1415هـ.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    279582 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    257712 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    128351 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    113650 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    89113 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    60068 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    59712 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    56961 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    50077 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    47305 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...