بحث متقدم
الزيارة
6522
محدثة عن: 2011/08/07
خلاصة السؤال
لماذا لم یحطم الرسول الاکرم (ص) الاصنام قبل فتح مکة؟ هل یعد ذلک مراعاة لمشاعر المشرکین؟
السؤال
لماذا حطم الامام علی (ع) الاصنام بعد فتح مکة مع کونها على مقربة منه لسنین طویلة؟ و هل ینطلق موقفه هذا من مراعاة مشاعر عابدیها و عدم ایقاع الاذى بهم؟
الجواب الإجمالي

وقع تحطیم الاصنام و تطهیر الکعبة منها فی المراحل الاخیرة من تبلیغ الرسالة المحمدیة و یعد عمل النبی (ص) و وصیه الامام علی (ع) من أبرز مصادیق مواجهة الانحراف و الشرک الذی تصدّت له الرسالة.

ومن الواضح أن المهمة الرئیسیة للانبیاء و الرسل عامة و للرسول الخاتم (ص) خاصة تکمن فی تصحیح الواقع العقائدی المنحرف و ازالة المعتقدات الباطلة عن الساحة و احلال القیم و المفاهیم الحقة محلها؛ من هنا أقتضت هذه المهمة تطهیر البیت من کل انواع الشرک و ازالة الاوثان من الساحة على ید الرسول الاکرم (ص) و أمیر المؤمنین (ع). هذا من جهة.

و من جهة أخرى اننا حینما نستعرض تاریخ تلک الحقبة من عمر الرسالة نجد المشرکین و طواغیت مکة هم الذین بادروا الى اعتماد اسلوب التعذیب و القتل و التنکیل بالجماعة المؤمنة مع قلتها و تنکر الجمیع لها، حیث انزلوا بالمؤمنین شتّى انواع الاهانة و التحقیر و نهب الاموال و الاخراج من الاوطان و...

اما فرضیة مراعاة النبی لمشاعر المشرکین فی تأخیر التحطیم الى ما بعد فتح مکة؟ یلاحظ على هذه الفرضین بأمرین:

الاول: ان الرسول الاکرم (ص) لم یحترم الشرک و لو لحظة واحدة و کان شدیداً فی التصدی له و فی تسفیه هذا المعتقد الزائف و هذا ما ادرکه المشرکون بوضوح و قد وردت الاشارة الیه فی ما نقله التاریخ الاسلامی لنا، و لکنه مع ذلک کله کان یراعی فی التبلیغ و الارشاد اسلوب الحکمة و الموعظة الحسنة فلا یخرج عن منهجه الاخلاقی.

الثانی: ان تأخیر التحطیم یعود الى ظروف موضوعیة اقتضت ذلک ولم ینطلق من احترام الرسول (ص) لمشاعر المشرکین و احاسیسهم فی هذا الاتجاه.

الجواب التفصيلي

یعد التبلیغ و الانذار و الارشاد من المسائل المحوریة فی الدین الاسلامی؛ من هنا أمر النبی الاکرم (ص) بالقیام بهذه المهمة [1] کما فی قوله تعالى"یا أَیُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَ رَبَّکَ فَکَبِّرْ" [2] إن الانبیاء و الرسل عامّة و النبی الاکرم خاصة، إنما بعثوا لمهمة اساسیة تتمثل فی تصحیح مسیر البشریة و ازاحة العقائد الباطلة من الساحة لیحل محلها القیم و المفاهیم الالهیة الحقة.

لکن ینبغی الالتفات و بنحو کلی الى کون المعارف الاسلامیة تصنف الى طائفتین: المعارف ذات الصلة بالشأن الفردی و الاجتماعی. و تبلیغ المعارف ذات البعد الاجتماعی یتطلب طی مراحل منها مواجهة انحرافات الدائرة الاجتماعیة و تحطیم الاصنام و تطهیر الکعبة منها على ید الرسول الاکرم (ص) و أمیر المؤمنین (ع) و هذا ما حصل بعد ن أتم الرسول الاکرم (ص) الحجة البالغة على المشرکین و المؤمنین بها، هذا من جهة، و من جهة أان الکعبة بعد فتح مکة اصبحت رمزاً ومکانا ینبغی تطهیره من جمیع الاوثان والاصنام و جعله مکانا خالصا للتوحید و الوحدانیة و اعادته الى ما کان علیه فی عصر إبراهیم (ع).

ومن یستقرئ منهج الرسول (ص) فی التبلیغ و الارشاد یراه قد بذل قصارى جهده فی بیان زیف تلک العقائد المنحرفة و لم یغفل عنها طرفة عین فلم یترک فرصة الا و قد نبّه المشرکین على زیف معتقداتهم، و کان الرسول الاکرم یعتمد شتّى الاسالیب الحکیمة فی هذا المسار متأسیا بابراهیم (ع) فی مواجهة الاوثان، حیث تصدى لها بشتى السبل، الا انه لما عجز الاسلوب الابراهیمی فی ثنی المعاندین عن عبادة تلک الاوثان و کان المخطط النمرودی یجید استغلالها لتحقیق مآربه فی تحکیم سلطته على الناس، اختار ابراهیم (ع) طریقا آخر لمواجة الاصنام عندما حذرهم من الکید لها و لکنهم لما تجاهلوا هذا الانذار و التحذیر نقذ خطته التی اثبت من خلالها حقانیته و بطلان عبادة الاوثان و قد اشار القرآن الکریم الى هذه القضیة فی قوله تعالى "وَ تَاللَّهِ لَأَکیدَنَّ أَصْنامَکُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرینَ * فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاَّ کَبیراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَیْهِ یَرْجِعُونَ....". [3]

اتضح أن تحطیم الاصنام من قبل النبی الاکرم (ص) و أمیر المؤمنین (ع) حصل فی المراحل الاخیرة من تبلیغ الاسلام و الذی یمثل احدى المصادیق الاساسیة فی المواجهة بین الحق و الباطل و قد خضع هذا الامر للظروف الموضوعیة التی کانت الرسالة تعیشها و لم یکن التأخیر نابعا من احترام مشاعر المشرکین أو ما شابه ذلک، خاصة اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان الرسول (ص) قد حطم قدسیة تلک الاصنام و تصدى لها نظریا فی اکثر من موضع و فی اکثر من مناسبة حتى ان المشرکین کانوا یدرکون ذلک جیدا و قد شکوا عملَ الرسول الى عمه ابی طالب (س) فی السنین الاولى للبعثة فقد نقل لنا التاریخ انه لما احتدم الصراع الفکری بین الرسول وبین هؤلاء المشرکین " تضاغن القوم و توامروا و مشوا إلى أبى طالب منهم عتبة بن ربیعة بن عبد شمس بن عبد مناف و أخوه شیبة بن ربیعة و.... فقالوا: یا أبا طالب إنّ لک سنّا و شرفا و إنّ ابن أخیک قد سبّ آلهتنا و عاب دیننا و سفّه أحلامنا و ضلّل آباءنا فإمّا أن تکفّه و إمّا أن ننازله و إیّاک‏. [4] وغیر ذلک من الاشارات التاریخیة التی تثبت تلک الحقیقة؛ و ذلک لان الاسلوب النبوی فی التبلیغ یعتمد مرحلتین الاولى مرحلة التبلیغ و الارشاد و بیان بطلان ما علیه القوم و أحقیة الرسالة الاسلامیة فان لم ینفع ذلک و أصر القوم على عنادهم و لجاجهم انتقل الى المرحلة العملیة، و قد تمثلت هذه الحرکة فی الکثیر من المواقف من ابرزها تطهیر البیت الحرام من مظاهر الشرک و الوثنیة، و من الواضح ان لکل من الاسلوب النظری و العملی ظروفه و شروطه الخاصة التی تسمح بتنفیذه.

لمزید الاطلاع انظر:

1. تاریخ عبادة الاصنام فی مکة المکرمة، السؤال رقم4356 (الرقم فی الموقع: 5439).

2. الغایة من عباد الاصنام، السؤال 6805 (الرقم فی الموقع: 7221).



[1] انظر:   الطباطبائی، سید محمد حسین، المیزان فی تفسیر القرآن، ج 20، ص 79 و 80، دفتر النشر الاسلامی، قم، الطبعة الخامسة، 1417ق؛ حسینی همدانی، سید محمد حسین، انوار درخشان، تحقیق، محمد باقر بهبودی، ج 17، ص 174، مکتبة لطفی، طهران، الطبعة الاولی، 1404ق.

[2] المدثر،1-3.

[3] انظر:   الانبیاء، 55 – 58؛ الصافات، 90 – 96.

[4]   مطهر بن طاهر المقدسی (م 507)، البدء و التاریخ، ج4، ص149. بور سعید، مکتبة الثقافة الدینیة،بلا تاریخ.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    279856 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    258229 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    128613 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    114522 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    89277 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    60478 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    59975 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    57127 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    50662 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    47453 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...