بحث متقدم
الزيارة
9589
محدثة عن: 2009/04/09
خلاصة السؤال
فی أی الموارد یکون الکذب جائزاً؟
السؤال
یعد الکذب من الذنوب الکبیرة، ففی أی الموارد یکون الکذب جائزاً؟ و هل یجوز الکذب من أجل حفظ النفس؟
الجواب الإجمالي

یحظی الصدق و محاربة الکذب باهتمام خاص فی التعالیم الاسلامیة بحیث وصف الکذب فی موارد کثیرة بانه شرّ من شرب الخمرة و لکن مع ذلک فانه اذا تسبب عدم ارتکاب الکذب فی الوقوع فی ضرر أشد من قبح الکذب مثل قتل انسان بریء او هجوم العدو علی کیان الاسلام او الاختلاف و العداء بین المؤمنین و ... فان الکذب یجوز حینئذٍ. و بالطبع فان الانسان اذا تمکّن من تجنّب الکذب عن طریق التوریة وجب علیه التوریة.

الجواب التفصيلي

یحظی الصدق و محاربة الکذب باهتمام خاص فی التعالیم الاسلامیة، یقول الامام الصادق (ع): "لا تغترّوا بصلاتهم و لا بصیامهم فان الرجل ربما لهج بالصلاة و الصوم حتی لو ترکه استوحش، و لکن اختبروهم عند صدق الحدیث و أداء الامانة"[1] أی أن صدق الحدیث و الامانة هی ملاک الحسن و الایمان للاشخاص.

و جاء فی حدیث عن الامام الباقر (ع): "ان الله عز و جل جعل للشر أقفالاً و جعل مفاتیح تلک الاقفال الشراب و الکذب شر من الشراب" [2].

و العلاقة بین الکذب و الذنوب الاخری هی ان الانسان المرتکب للذنوب لا یمکنه ان یکون صادقاً لان صدقه یتسبب فی فضیحته، فعلیه ان یلجأ الی الکذب من أجل التستر علی آثار الذنوب، و بعبارة اخری: ان الکذب یطلق الانسان و یترکه حراً أمام الذنوب، بینما الصدق یحدّده و یقیّده.[3]

و من الاضرار الکبیرة للکذب انه یتسبب فی فقدان الثقة و نحن نعلم ان أثمن شیء فی المجتمع هو الثقة المتبادلة و الاطمئنان العام، و أهم شیء یؤدی الی انعدام ذلک و زواله هو الکذب و الخیانة و الغش، و هذا الامر هو احد الاسباب الرئیسیة للاهتمام الکبیر بالصدق و ترک الکذب فی التعالیم الاسلامیة. و لکن و مع کل هذا فقد اجیز الکذب فیما اذا فرض الاضطرار (الحاجة الشدیدة) الیه فی موارد و ظروف خاصة. و لکن هذا الجواز هو بمقدار الاضطرار و مادام الاضطرار موجوداً، لا اکثر من ذلک. و المقصود من الاضطرار هنا هو الاحتیاج الشدید الی ارتکاب الکذب من اجل المنع من اضرار کبیرة مثل وقوع حیاة انسان او سلامته فی خطر او الحیلولة دون هجوم العدو علی بلاد الاسلام او المنع من وقوع الاختلاف بین الاخوة المسلمین، و بشکل عام: فی جمیع الموارد التی تکون أهمیتها اکبر من قبح الکذب.

و ینبغی هنا ذکر ملاحظة و هی انه علی الرغم من جواز الکذب شرعاً فی موارد الاضطرار و من أجل دفع الاضرار الکبیرة و غیر القابلة للتحمل، و لکن اذا کان هناک طریق یمکن دفع الضرر من خلاله من دون ارتکاب الکذب وجب اختیار ذلک الطریق. و من ذلک طریق "التوریة" و التوریة تعنی ان یکون الکلام یفهم منه معنیان احدهما هو المعنی الظاهر و الواضح الذی ینتقل الیه ذهن السامع بسرعة و الآخر معنی خفی و مستور و هو الذی یقصده المتکلم و لا ینتقل الیه ذهن السامع. فاذا اضطر الانسان من أجل دفع الضرر عن نفسه او عن مسلم آخر الی أن یرتکب اما الکذب او التوریة وجب علیه اللجوء الی التوریة.

و فی موارد الاضطرار الی ارتکاب الکذب، لا یختلف الحال بین ان یکون الضرر متوجهاً الی الانسان نفسه او الی باقی المؤمنین.

یقول الامام الرضا (ع): ان الرجل لیصدق علی أخیه فیناله عَنت من صدقه فیکون کذّاباً عند الله و ان الرجل لیکذب علی أخیه یرید به نفعه فیکون عند الله صادقاً ".[4]

و قال الامام الصادق (ع): " کل کذب مسؤول عنه صاحبه یوماً الا کذباً فی ثلاثة: رجل کائد فی حربه فهو موضوع عنه، أو رجل أصلح بین اثنین یلقی هذا بغیر ما یلقی به هذا یرید بذلک الاصلاح ما بینهما، او رجل وعد أهله شیئاً و هو لا یرید أن یتم لهم ".[5]

و قد أوصی النبی الاکرم (ص) أمیر المؤمنین علیاً بقوله: "ان الله احب الکذب فی الصلاح و أبغض الصدق فی الفساد".[6]

و بالطبع فان من الضروری مراعاة مقدار و مستوی الکذب اللازم للاصلاح، فلا ینبغی تجاوز الحد؛ لان التجاوز عن الحد اللازم قد یؤدی بالانسان الی اعتیاد الکذب، و الامام الصادق (ع) یقول: "المصلح لیس بکذاب" [7] و یفهم من الروایة المتقدمة ان اصلاح المجتمع و ایجاد الصلح و الوئام بین شخصین مسلمین لا یبرّر للانسان الکذب بلا حدود و من دون داعٍ – بل یجب مراعاة المستوی اللازم.[8]



[1] سفینة البحار، مادة (صدق)، الکافی، ج 2، ص 104، دار الکتب الإسلامیة، الطهران، 1365 هجرى شمسى.

[2] اصول الکافی، ج 2، ص 339.

[3] تفسیر الأمثل، ج 11، ص 413.

[4] الحر العاملی، وسائل الشیعة، ج 12، ص 255 ح 16238.

[5] الکلینی، الکافی، ج 2، ص 342، ح 18.

[6] الحر العاملی، وسائل الشیعة، ج 12، ص 252، ح 16229.

[7] الکلینی، الکافی، ج 2، ص 210، ح 7.

[8] لاحظ، الطهرانی، مجتبی، موقع بلاغ.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

  • عندي كمية من المجوهرات، فهل يجب عليّ اعطاء خمس الذهب و المجوهرات التي أملكها أم لا؟
    10427 الحقوق والاحکام 2012/04/17
    لهذا السؤال عدّة صور: أولاً: إذا توفّرت في الذهب و الفضة هذه الشروط و هي كونها "منقوشة بسكة المعاملة المتداولة" و "كانت باقية في ملك الإنسان" و "قد وصلت إلى حد النصاب" تتعلق بها الزكاة،[1] كذلك عندما تُحوّل النساء السكك المتداولة ...
  • متى یتساوى إرث المرأة مع إرث الرجل؟
    8694 الحقوق والاحکام 2008/08/20
    بشکلٍ کلی یکون إرث الرجل و المرأة متساویین و ذلک فی صورتین:1- إرث الأب و الأم (فی أکثر الموارد).2- إرث الأقارب من جهة أم المیت.و أما ارتفاع نسبة النساء العاملات فی المجتمع فلا یوجب تساوی أو عدم تساوی الإرث، بل کل ما تکسبه المرأة عن طریق العمل ...
  • هل ان صلواتنا توجب إرتفاع مقام النبی (ص)؟
    6403 الکلام القدیم 2011/02/24
    ان صلواتنا علی النبی الاکرم (ص) لها أبعاد مختلفة، نشیر فیما یلی الی بعضها:1.ان الصلوات علی النبی (ص) أمر صادر من الله تعالی فی القرآن الکریم حیث یقول: (ان الله و ملائکته یصلون علی النبی یا أیها الذین آمنوا ...
  • کیف تفهم قیمومة الرجال علی النساء فی الاسرة من وجهة نظر القرآن؟
    11812 الحقوق والاحکام 2007/12/09
    ان قیمومة الرجال علی النساء الواردة فی الآیة 34 من سورة البقرة «الرجال قوامون علی النساء» لیست بمعنی التسلط و فرض الرأی و اجحاف الرجال بالنساء، بل و کما ذکر أهل اللغة و تبعهم اکثر المفسرین، ان القیمومة بمعنی الاشراف و تدبیر الاعمال و الحراسة. فحیث ان الاسرة وحدة اجتماعیة ...
  • لماذا لم یخصص کل العلماء لموضوع ولایة الفقیه فصلاً‌خاصاً ‌و لم یشرحوا حدود و صلاحیات هذا الولایة؟
    8128 الحقوق والاحکام 2007/09/01
    لم یخصص بعض العلماء فصلاً لولایة الفقیه، لأنهم اعتقدوا أنه أمر بدیهی و مسلم، و أنه لا حاجة لإثباته، بینما عمدوا فی الوقت ذاته فی الکثیر من أبواب الفقه، الی تبیین مسؤولیات و شؤون ولایة الفقیه.و لما کانت الإجابة عن الحاجات الشرعیه للناس من مسؤولیات الفقهاء، فقد کانوا یتصدون ...
  • هل ان العیش منفردا مکروه فی الاسلام ؟
    4567 الحدیث 2020/06/15
    نظرا للأحادیث و الروایات التی جاء فیها النهی عن الأکل و النوم منفردا، و بالنظر إلى أن الزواج و تکوین الأسرة من الاوامر التی تم التأکید علیها فی التعالیم الدینیة، یمکن أن نفهم أن العیش منفردا  لیس مما یوافق علیه الاسلام، الا فی الحالات التی لایوجد لها حل. ...
  • ما هو تعریف الاعجاز و کیف یمکن اثبات وقوعه؟
    11991 علوم القرآن 2007/05/03
    الاعجاز هو بمعنی خرق العادة الذی یکون مقترناً بالتحدی من جهة و مطابقاً لادعاء صاحب الاعجاز من جهة ثانیة. و خرق العادة یعنی وقوع عمل علی خلاف السیرة المعهودة لقوانین الطبیعة.و لیس معنی کون الاعجاز خرقاً للعادة هو انعدام العلة او نفی قانون العلیة، فبالرغم من مشابهة الاعجاز للامور ...
  • من هم محارم المرأة السببیون؟
    6563 الحقوق والاحکام 2009/02/01
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • ما معنی المحکم و المتشابه؟ و ما سبب الاختلاف فی عدد الآیات المتشابهة؟
    7774 علوم القرآن 2014/02/19
    "المتشابة" هو ما تشابه أجزاؤه المختلفة، و لذلک فالمجمل و الکلمات التی تکون معانیها معقّدة و تنطوی علی احتمالات مختلفة متساویة ولم یترجح بعضها على البعض الآخر، توصف بأنها متشابهة. و فی مقابل "المتشابة" "المحکم" و هو من "الإحکام" و هو المنع، و لهذا یُقال للمواضیع الثابتة و ...
  • هل كان الشهيد حمزة عم النبي (ص) متزوجاً؟ و من هم ذريته؟
    24880 تاريخ بزرگان 2012/06/14
    المعروف تأريخياً و حديثياً أن حمزة عم النبي الاكرم (ص) كان متزوجاً و له ثلاث نساء و ذرية ، الا انه لم يعقب لوفاة ابنائه في حياة أبيهم. و يمكن توجيه كلام النبي الاكرم (ص) "لكن حمزة لا بواكي له" بأن الاصوات كانت تتعالى من ...

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    283399 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    265793 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    132227 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    122304 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    92102 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    65021 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    64077 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    59245 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    55765 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • هل أن أكل سرطان البحر هو حرام؟
    52357 الحقوق والاحکام 2019/06/10
    لقد ورد معيار في أقوال و عبارات الفقهاء بخصوص حلية لحوم الحيوانات المائية حيث قالوا: بالاستناد إلى الروايات فان لحوم الحيوانات البحرية لا تؤكل و هذا يعني إن أكلها حرام[1]. إلا إذا كانت من نوع الأسماك التي لها فلس[2]، و ...