بحث متقدم
الزيارة
6034
محدثة عن: 2010/10/21
خلاصة السؤال
ما ضرر شرب قطرة من الخمر؟
السؤال
لا شک فی أن الخمر فیه أضرار کثیرة، لکن ما ضرر شرب قطرة منه؟ هل یوجد دلیل عقلی غیر الدلیل القرآنی و الروائی؟
الجواب الإجمالي

مع أن السؤال لم یصرح بحکم شرب قطرة من الخمر، لکن یبدو أن السؤال هو حکم شرب قطرة من الخمر، فنجیب عنه بالنحو التالی:

طبقا لرؤیة الشیعة، کل الأحکام لها مصالح و مفاسد و قد وضعها الشارع المقدس على المکلفین على أساس تلک المصالح و المفاسد، لکنه لم یذکر لنا جمیع هذه المصالح و المفاسد.[1] و العلل التی قد ذکرت لبعض الأحکام فی الواقع إنما هی من قبیل الحکم أی العلل الناقصة و لیس من قبیل العلة التامة، و لهذا لا نستطیع أن ننفی الحکم بانتفاء تلک العلة الناقصة.

و بناءً على طلبکم سنتناول المسألة من الجانب العقلی لا الجانب التعبدی، و للوصول إلى الجواب المطلوب لابد من ذکر عدة قضایا:

أ: کما ذکرتم فی سؤالکم، إن فی الخمر أضراراً جمسیة و روحیة کثیرة، لکن لا ینبغی أن نغفل عن هذه الحقیقة و هی أن ما یضرّ کثیره فیضر قلیله أیضاً و إن اختلف مدى ضرر هذین المقدارین.

ب: أجمع فقهاء الشیعة على أن الخمر من بین النجاسات التی حددها الشارع [2] و أکل الشیء النجس حرام[3]، سواء کان کثیراً أم قلیلاً.

وقد جاء فی تفسیر العیاشی عن الإمام الصادق أنه قال: إن الله حرم الخمر قلیلها و کثیرها کما حرم المیتة و الدم و لحم الخنزیر.[4] و قالت السیدة الزهراء (ع) فی خطبتها: و النهی عن شرب الخمر تنزیها عن الرجس.[5]

ج: لیست کل المحرمات فی درجة واحدة من الحرمة. إذ یرى المشرّع بعضها أکثر أهمیة و البعض الآخر أقل اهمیة، و لهذا من أجل ترک المحرمات الأکثر أهمیة، اتخذت إجراءات أشد. من باب المثال یقول الله سبحانه فی القرآن فی باب الزنا: "وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى‏ إِنَّهُ کانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبیلا".[6]

لقد نهت هذه الآیة عن الزنا و بالغت فی تحریمه، لأنها لم تقل لا ترتکبوا الزنا بل قالت لا تقربوه.[7] و یقول سبحانه فی مال الیتیم: "وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْیَتیمِ إِلاَّ بِالَّتی‏ هِیَ أَحْسَن"[8] و عندما ینهى عن الاقتراب إلى مال الیتیم بدل أن ینهى عن أکله فهذا مبالغة لإفادة اشتداد الحرمة.[9] ولهذا لم یمنع عن أکل مال الیتیم فسحب، بل منع حتی من الاقتراب من حریمهم و عدم المساس به.[10]

من هنا قد یقال، کما شدد الشارع فی الزنا و أکل مال الیتیم فمنع من الاقتراب إلیهما لشدة حرمتها، کذلک حکم بالنسبة إلى الخمر فیجب الاجتناب عن قطرة واحدة فلا یجوز الاقتراب منه بل لا یجوز معاشرة شاربی الخمر.

النتیجة: لا یمکن القول بجواز شرب قطرة من الخمر إلا إذا ثبت أن العلة التامة لحرمة شرب الخمر هی الضرر و ثبت أنه لا ضرر فی شرب قطرة منه، أولا. و یثبت أن الخمر لیس نجساٌ، ثانیا. و أن لا یؤدی شرب القطرة إلى الجرأة و التجاسر على شرب الأکثر منها ثالثاٌ. و بما أنه لم تثبت أی واحدة من هذه المقدمات الثلاث، بل ثبت عکسها، فنحکم بحرمة شرب الخمر ولو قطرة واحدة.

من البدیهی أن فی عملیة وضع الأحکام و القوانین سواء أ کانت من قبل الشارع المقدس أم من قبل المؤسسات المدنیة و الحکومیة ینظر المقنن إلى الکلیات و الحالة العامّة و الغالبة. مثلاً إذا منع المقنّن فی قوانین المرور، السیر فی الشوارع ذات الاتجاه الواحد من الاتجاه المعاکس، فقد أخذ بنظر الاعتبار أنه إذا جاء سائق من الجانب المقابل و سار بالاتجاه المعاکس لما هو مقرر، سیؤدی هذا إلى حوادث و خسائر فی الأرواح و الأموال. فهل یعقل هنا أن یقول سائق إنی أرید أن أسوق خلاف الاتجاه بقدر أمتار قلیلة فقط؟ من الطبیعی أن لا یقبل هذا الکلام من أی أحد و لا یمکن أن یستثنى القانون. طبعاً فی حالات الاضطرار ترفع حرمة الکثیر من الأحکام، مثل حرمة أکل المیتة فی المکان الذی یتعذر الطعام فیه على الإنسان، فترفع حرمة أکلها فی سبیل حفظه من الموت.



[1]  و کثیر منها لم تصل إلینا.

[2]  تحریر الوسیلة للإمام الخمینی (ره) ج1، ص118، المسکر المائع بالأصل نجس.

[3]  تحریر الوسیلة للإمام الخمینی (ره) ج2، ص163، یحرم تناول الأعیان النجسة و کذا المتنجسة ما دامت باقیة على النجاسة مائعة کانت أو جامدة.

[4]  الطباطبائی، محمد حسین، المیزان فی تفسیر القرآن، ج6، ص136، النشر الإسلامی لجماعة المدرسین، قم 1407ق. الجدیر بالذکر أننا أوردنا هذا الحدیث لا من باب التعبد به بل بسبب التعلیل المذکور فی ذیل الروایة.

[5]  الطبرسی، أحمد بن علی، الاحتجاج، ص97 نشر المرتضى، مشهد 1403ق.

[6]  الإسراء، 32.

[7]  المیزان فی تفسیر القرآن، ج13، ص85ـ 86.

[8]  الانعام، 152؛ الإسراء، 32.

[9]  المیزان فی تفسیر القرآن، ج13، ص91.

[10]  مکارم شیرازی، ناصر، الأمثل فی تفسیر کتاب الله المنزل، ج8، ص469، نشر مدرسة

لإمام علی بن أبی طالب، قم 1421ق.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

  • هل يعد وجود مساحيق التجميل مبرراً لترك الوضوء من قبل العروس؟
    5792 الحقوق والاحکام 2012/06/14
    و فقا لرأي الفقهاء لا يعد ذلك من مبررات الانتقال من الوضوء الى التيمم، و لا يكفي التيمم في مثل هذه الحالات.[1] نعم يمكن للنساء المؤمنات التنسيق بين وقت الذهاب الى صالون الحلاقة و بين اوقات الصلاة بحيث لا تحدث فاصلة ...
  • ما هو حکم استثمار الأموال فی الشرکات الأجنبیة؟
    5574 الحقوق والاحکام 2009/02/19
    لا إشکال فی استثمار الأموال فی الشرکات الأجنبیة إذا لم یؤد إلى الإضرار باستقلال المسلمین و عزتهم، و لم یؤد إلى ارتباط المسلمین بهذه الشرکات و إنشاء علاقات صمیمة معها، کما یجوز أحذ الربا من غیر المسلمین بشروط ذکرها مراجع التقلید. ...
  • عند مراجعة الکتب الاخلاقیة، العرفانیة واجهت ثلاث کلمات: الشریعة، الطریقة، الحقیقة. ارجو منکم توضیحها.
    5894 النظری 2007/07/09
    یعتقد أهل العرفان بانّ الانسان موجود متحرک و فعال یصل بسیره و سلوکه الی أصله الذی أتی منه و یرجع الیه، فیزول ابتعاده و انفصاله عن ذات الحق و یبقی فی بساط القرب معه خارجاً عن ذاته الفانیة. و بناء علی هذا فان السیر و السلوک العرفانی متحرک و متطور ...
  • لو تعرضت بعض مدن بلادنا الحدودیة للقصف فهل یحق لنا المقابلة بالمثل؟
    6632 الفلسفة الاحکام والحقوق 2009/11/12
    صحیح أن الاحکام الاسلامیة الأولیة لاتجیز التعرض للمدنیین و قصف المناطق المأهولة بالسکان بل حتى غیر المأهولة کالمناطق الزراعیة فی أرض العدو، لکن لو اعتمد العدو هذا الاسلوب و لم یوجد طریق آخر لصده و ردعه حینئذ تقتضی مصلحة الدولة الاسلامیة و استنادا للاحکام الثانویة الرد بالمثل و لکن بشروط ...
  • من أین لنا أن نعرف أن الدعاء و الحاجات التی نطلبها من الله هی فی صلاحنا أو لا؟
    6992 الکلام القدیم 2008/06/18
    بالاستناد إلى الآیات و الروایات أن الدعاء من الأمور العبادیة و لها أحکام و شروط و آداب خاصة بها، و من جملة هذه الاحکام هو أن لا یطلب الإنسان من الله شیئاً محرماً أو فیه ضرر للآخرین أو ... کذلک هنالک أدعیة قد أکدت الآیات و الروایات علیها بشکل کبیر؛ ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    59821 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • أنا أعشق الله و الإسلام کثیراً جداً.
    4984 العملیة 2010/10/21
    السلام علیکم، نتمنى أن تحتفظ بهذه العلاقة الجمیلة و الآصرة المبارکة مع الله فی کل حیاتک فوجود هذا الحب فی هذا العالم المتالطم بانواع الملذات و الشهوات و المغریات یکشف عن شخصیتک المعنویة التی الباحثة عن الحقیقة و الراجیة لله سبحانه.إنها ...
  • هل صحیح أن الامام الحسین (ع) تعرض لمصادرة قافلة یزید(لعنه الله) التجاریة؟
    5463 تاريخ بزرگان 2010/10/18
    من خلال مراجعة المصادر التاریخیة عثرنا الى الروایة التالیة:قالوا: و لقی الحسین بالتنعیم عیرا قد أقبل بها من الیمن، بعث بها بجیر بن ریسان الحمیری إلى یزید بن معاویة- و کان عامله علی الیمن- و على العیر ورس و ...
  • ما هی کیفیة خلقة الإنسان فی رؤیة الإسلام؟
    7105 الکلام القدیم 2012/01/07
    لقد استعمل القرآن الکریم تعابیر متنوعة فی خلقة الإنسان و مبدأ تکوینه. إن بعض الآیات قد اعتبرت "الطین" المادة الأولیة للإنسان، و هناک مجموعة من الآیات تقول بأنه قد خلق من "ماء"، و هناک آیات أخرى قد اعتبرت منشأ خلقة الإنسان "النطفة" فقط، بید أن هناک آیات أخرى ...
  • فی أحکام الجنابة ما هی الصفات التی یجب توفرها فی الشخص حتی یقال له إنه مریض؟
    4454 الحقوق والاحکام 2009/07/09
    اتفق الفقهاء علی عدم اشتراط الدفق، اما بالنسبة الی ارتخاء البدن فمنهم من ذهب الی اشتراطه کالسید السیستانی دام ظله، و منهم من لم یشترط ذلک مثل السید الخامنئی دام ظله.و علی کل حال فی مثل هذه الموارد یکون تشخیص ذلک بعهدة المکلّف نفسه، فمثلاً یبتلی بضعف شدید علی ...

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    279711 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    257945 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    128466 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    114092 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    89182 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    60227 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    59821 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    57032 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    50311 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    47372 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...