بحث متقدم
الزيارة
7577
محدثة عن: 2008/03/16
خلاصة السؤال
لماذا لم یخلق الله سبحانه جمیع الناس مسلمین؟
السؤال
لماذا لم یخلق الله سبحانه جمیع الناس مسلمین، حیث یوجد هنالک کفار و مسیحیون و....؟
الجواب الإجمالي

إن الله سبحانه یخلق الإنسان عارفاً به و موحداً له، و یجهزّه بقوة العقل و الفکر و یکون الانسان صاحب إرادة و إختیار، و قد بعث أنبیاء عدیدین لهدایة و إرشاد البشر، لذلک فإن الله جلَّ شأنه لا یخلق أحداً کافراً، أو مسیحیاً أو یهودیاً...، و لکن الإنسان نتیجةً لسوء إختیاره أو نتیجةً للظروف البیئیة التی تحیط به یبتلى بالإنحراف. یقول الرسول الأکرم (ص): "یولد المولود على الفطرة، و لکن أبواه یهودانه أو ینصّرانه".

الجواب التفصيلي

لکی یتضح الجواب نذکر عدة ملاحظات و هی:

1. إن وجود الله سبحانه و تعالى هو عین الکمال و الخیر و الرحمة، و قد خلق جمیع الموجودات على أساس الخیر و الرحمة الوجودیة المتمثلة به، و على هذا الأساس فإن کل موجود یتصف بالکمال و عدم النقص ضمن مرتبته.

2. إن الإنسان من أکمل مخلوقات الله سبحانه، لأنه:

أولا:ً هو خلیفة الله.[1]

ثانیاً: قد خُلِقتْ جمیع الموجودات لأجل الإنسان.[2]

لأجل ذلک فإن للإنسان أبعاداً وجودیة و کمالیة مختلفة، و نحن هنا سوف نشیر الى عدة أبعاد کمالیة للإنسان ترتبط بهذا البحث.

أ. إمتلاک نعمة الإدراک و الفهم:

«ونفسٌ و ما سواهّا، فألهمها فجورها و تقواها».[3]

ب. إمتلاکه لنعمة الفطرة (معرفة و عبادة الله سبحانه): لأن الله جلَّ شأنه قد جعل التعرف و الرغبة و المیل الیه فی فطرة و طبیعة الإنسان.[4]

«و إذ أخذ ربک من بنی آدم من ظهورهم ذریتهم و أشهدهم على أنفسهم ألست بربکم قالوا بلا شهِدنا أن تقولوا یوم القیامة إنا کنا عن هذا غافلین».[5]

«فأقم وجهک للدین حنیفاً فطرة الله التی فطر الناس علیها لاتبدیل لخلق الله ذلک الدین القیم و لکن أکثر الناس لایعلمون».[6]

ج. إمتلاک الإرادة و الإختیار:

إن الإنسان و على خلاف أکثر المخلوقات الاخرى، یصل الى کماله و هدفه المنشود عن طریق الإختیار الواعی فقط، و لذلک یکون کمال الإنسان إختیاریاً و إکتسابیاً.[7]

یقول تعالى فی القرآن الکریم: «و قل الحق من ربکم فمن شاء فلیؤمن و من شاء فلیکفر».[8]

و قوله تعالى: «إنا هدیناه السبیل إما شاکراً وإما کفوراً».[9]

و بعبارة أخرى، إن لله موجودات لا یعصون الله،[10] و لکن أراد سبحانه أن یطوی الإنسان کماله المنشود، و أن لا یعصی بإرادته و إختیاره.

3. إن إحدى مظاهر و تجلیات الرحمة الالهیة - بالإضافة الى توفیر أسباب الهدایة التکوینیة فی وجود الإنسان-، هو بعثة الأنبیاء و الرسل الذین یقودون الناس الى کمالهم المنشود.

4. کان جمیع الأنبیاء یدعون الناس الى التوحید و فی الواقع إن جمیع الأنبیاء کانوا مسلمین[11] و یدعون الناس الى الإسلام لأن الإسلام لیس هو إلاّ ما جاءت به الفطرة. و بعبارة أخرى، فإن ظاهرة الفطرة التکوینیة تنسجم بشکل کامل مع الظاهرة التشریعیة (الدین الالهی و الذی یعبر عنه بالإسلام).

لکن الشریعة الحقیقیة للأنبیاء السابقین، قد طالتها ید التحریف بمرور الزمان إضافة الى إن جمیع الأنبیاء (ماعدا نبی الإسلام (ص) لأنه خاتم الأنبیاء) کانوا یبشرون بالنبی الذی یلیهم، و کان من مستلزمات الإمتثال لدعوة أی نبی هو الإیمان و الإعتقاد بالنبی الذی یلیه.

إذن، فالأدیان الحالیة فاقدة للشرعیة و الصلاحیة و غیر مقبولة، حیث إن الدین الوحید المنجی و المقبول عند الله سبحانه هو دین الإسلام: «إن الدین عند الله الاسلام و ما أختلف الذین أوتوا الکتاب إلاّ من بعد ماجاءهم العلم بغیاً بینهم و من یکفر بآیات الله فإن الله سریع الحساب».[12] «و من یبتغ غیر الاسلام دینا فلن یُقبل منه و هو فی الآخرةِ من الخاسرین».[13]

و بذلک تکون النتیجة هی إن الإنسان خُلِقَ عارفاً و عابداً لله سبحانه، و أعطاه الله سبحانه القدرة على الإدراک و التفکیر، و کذلک أعطاه القدرة على الإرادة و الإختیار، و قد بعث الأنبیاء لهدایة الناس. إذن فإن الله لا یخلق الناس کفاراً أو نصارى أو یهوداً. لکن الإنسان ینحرف بنفسه بسبب سوء إختیاره أو نتیجة للظروف التی تحیط به.[14]

یقول الرسول الأکرم (ص): "یولد المولود على الفطرة و لکن أبواه یهودانه أو ینصّرانه".[15]



[1] . «و إذ قال ربک للملائکة إنی جاعلٌ فی الارض خلیفة قالوا أتجعل فیها من یفسد فیها و یسفک الدماء و نحن نسبح بحمدک و نقدس لک قال إنی أعلم مالاتعلمون»، البقرة،30.

[2] . «و سخّرلکم ما فی السموات و ما فی الارض جمیعاُ منه إن فی ذلک لآیات لقومٍ یتفکرون»، الجاثیة، 13.

[3] . الشمس، 7و 8.

[4] . للإطلاع أکثر، انظر: موضوع. الفطرة و المیل نحو الفساد، السؤال 44.

[5] . الأعراف، 172.

[6] . الروم، 30.

[7] . المعارف الإسلامیة، ج 1، ص 109، للإطلاع أکثر، انظر: موضوع، عامل الإنحراف من الصراط المستقیم، السؤال 164؛ الإنسان و الإختیار، السؤال 287.

[8] . الکهف، 29.

[9] . الإنسان، 3.

[10] . التحریم، 6.

[11] . آل عمران، 67.

[12] . آل عمران، 19.

13] . آل عمران، 85.

[14] . للإطلاع أکثر، أنظر: موضوع، الهدایة الآلهیة و الإختیار، السؤال 292.

[15] . بحار الأنوار، ج 3، ص 289.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    279423 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    257189 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    128124 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    113198 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    88980 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    59801 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    59527 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    56846 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    49703 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    47152 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...