بحث متقدم
الزيارة
5396
محدثة عن: 2010/11/21
خلاصة السؤال
کیف یمکن أن یعذّب فرعون بسبب أعمال کانت هی وسیلة للإبتلاء الإلهی؟
السؤال
تقول الآیة 48 من سورة البقرة:"و اذ أنجیناکم من آل فرعون یسومونکم سوء العذاب یذبّحون أبناءکم و یستحیون نساءکم و فی ذلکم بلاء من ربکم عظیم" و بناء علی هذا یصیر فرعون مکلّفاً من قبل الله بابتلائهم، فلماذا إذن یتعرض للغضب اللهی؟
الجواب الإجمالي

من السنن الإلهیة التی لا تتغیّر سنة الامتحان و ابتلاء العباد. و یتمّ هذا الامتحان باسباب و وسائل و حوادث مختلفة و متنوّعة، ففی بعض الأحیان یجعل الله الظالمین وسیلة لإمتحان أشخاص آخرین، و الحال أن الظالم نفسه لا یدرک أنه أصبح وسیلة للإمتحان الإلهی.

و کون الظالم وسیلة للإمتحان لا یقلّل أبداً من قبح عمله و استحقاقه للعذاب، لأن الله لم یأمره بأن یکون وسیلة للإمتحان، بل هو هیأ الظروف تکویناً بحیث اذا ارتکب ظالم ظلماً باختیاره و ارادته، فإن نفس ظلمه –المخالف لأمر الله- یصیر وسیلة لإمتحان الآخرین و علی هذا الأساس فهذا الظلم من حیث کونه فعلاً اختیاریاً لهذا الشخص فعلیه عقاب و یستحق العذاب علی ارتکابه.

الجواب التفصيلي

یشیر الله تعالی فی هذه الآیة الی واحدة من نعمه الکبری التی اختصّ بها بنی إسرائیل و هی نعمة الانقاذ من مخالب الظالمین و هی من أکبر النعم الإلهیة: " و اذ أنجیناکم من آل فرعون یسومونکم سوء العذاب یذبّحون أبناءکم و یستحیون نساءکم و فی ذلکم بلاء من ربکم عظیم" و حیث ان الفعل المضارع فیه معنی الدوام و الاستمرار عادة، فیعلم أن بنی إسرائیل کانوا یعذّبون باستمرار من قبل الفراعنة فکانوا یرون بأعینهم ذبح أبنائهم الأبریاء و أخذ بناتهم سبایا، بالاضافة الی کونهم أنفسهم أیضاً معذّبین دوماً و یعتبرون عبیداً و خدماً و عمّالاً للأقباط و أصحاب فرعون.

و الأمر المهم هو أن القرآن یعدّ ذلک ابتلاء شاقاً و عظیماً لبنی إسرائیل (و من معانی "البلاء" الامتحان) و فی الحقیقة أن تحمّل کل هذه الصعاب کان بلاءً شاقاً.[1]

و أما لماذا یعذّب فرعون علی أعماله هذه التی هی وسیلة للإبتلاء الإلهی؟

لتوضیح الجواب ینبغی الالتفات الی أن الحوادث التی تقع فی العلم لها أبعاد مختلفة، فربما کانت حادثة ما عذاباً لشخص و هی نفسها امتحان لشخص آخر و موجبة لترفیع درجة و مقام شخص ثالث عند الله.

یقول أمیر المؤمنین علی(ع): "ان البلاء للظالم أدب و للمؤمن امتحان و للأنبیاء درجة و للأولیاء کرامة".[2]

و من جانب آخر فإن من السنن الإلهیة التی لا تتغیّر الامتحان و ابتلاء العباد. یقول القرآن حول هذه السنة الإلهیة: "أحسب الناس ان یترکوا أن یقولوا أمنّا و هم لا یفتنون و لقد فتنا الذین من قبلهم ..."[3]

و هذا الإمتحان یتمّ بواسطة أسباب و وسائل و حوادث مختلفة و متنوعة. فبعض الناس یبتلی بالفقر و بعض الآخر بالغنی، و بعضهم بالمرض و البعض الآخر بالعافیة و السلامة، و فریق بالقوّة و القدرة و آخر بالضعف و العجز، و أمّة من الناس تبتلی بالسیول و الزلازل و أخری بالأمن و الراحة، و بعضهم بالخیر و البعض بالشر و ...

و یقول القرآن فی بیان تنوع الابتلاءات: "و نبلوکم بالشر و الخیر فتنة و إلینا ترجعون"[4] و کذلک یقول فی موضع آخر حول طریقة الابتلاء: "و کذلک فتنا بعضهم ببعض ..."[5] أی أننا نبتلی بعضکم بواسطة البعض الآخر.

و فی بعض الأحیان یجعل الله الظالمین وسیلة لإمتحان الآخرین، و الحال أن الظالم نفسه لا یعلم بأنه قد صار وسیلة للإمتحان الإلهی. و کون الظالم قد صار وسیلة للإمتحان لا یقلّل أبداً من قبح عمله و من استحقاقه للعذاب. لأن الله لم یأمره أن یصیر وسیلة للإمتحان، بل هو قد هیأ الظروف تکویناً بحیث اذا ارتکب ظالم ظلماً باختیاره و ارادته فإن الله بنفس ظلمه هذا سیبتلی أشخاصاً آخرین، و لکن حیث ان هذا الظلم هو فعل اختیاری لهذا الشخص فعلیه عقاب و یستحق العذاب علی ارتکابه.

کما أنه فی الجانب المقابل فإن الله فی کثیر من الموارد یؤیّد دینه و ینصره بواسطة الظالمین، یقول النبی الأکرم(ص): "إن الله عزوجل ینصر هذا الدین بأقوام لاخلاق لهم"[6] فمع أن ظلم هؤلاء الأشخاص الکفار أو الظالمین یؤدی أحیاناً الی تأیید الدین و تقویته لکنهم لا یحصلون علی أی أجر و ثواب علی القیام بهذا العمل.

و قد اتضح بهذا معنی الآیة مورد البحث و اتضح أن کون عمل شخص ظالم وسیلة للإبتلاء الإلهی لا ینفی قبح و سوء عمله و لا یقلّل شیئاً من عذابه. لأن الله لم یأمره بالقیام بهذا الإمتحان، بل صار ظلمه الذی قام به باختیاره وسیلة للإمتحان.



[1]  مکارم الشیرازی، ناصر، تفسیر الأمثل، ج1، ص248 و249 (بتصرف)، منشورات دار الکتب الإسلامیة، طهران 1374 هـ.ش.

[2]  المحدّث النوری، مستدرک الوسائل، ج2، ص438، 2400-23، جامع الأخبار. منشورات مؤسسة آل البیت لإحیاء التراث، قم 1408 هـ.ق.

3]  العنکبوت، 2و3.

[4]  الأنبیاء، 35.

[5]  الأنعام، 53.

[6]  الکلینی، محمد بن یعقوب، الکافی، ج5، ص19. منشورات دار الکتب الإسلامیة، طهران 1365 هـ.ش.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    279563 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    257605 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    128310 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    113548 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    89100 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    60018 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    59689 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    56949 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    50013 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    47277 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...