بحث متقدم
الزيارة
8027
محدثة عن: 2007/04/17
خلاصة السؤال
ما المراد من الکتاب المبین و الرطب والیابس فی الآیة؟
السؤال
جاء فی سورة الانعام،59 (ولا رطب ولا یابس الا فی کتاب مبین) هو القرآن الموجود؟ و ما هو المراد بالرطب و الیابس و أی نوع من الموجودات هی؟
الجواب الإجمالي

ورد فی هذه الآیة الکریمة[i] ذکر (الکتاب المبین) و هو مرحلة من مراحل العلم الإلهی الذی یکون سبباً لصدور الأفعال الإلهیة، و یکون موجوداً قبل الخلق و حین الخلق و بعد الخلق، و فیه تثبت و تضبط المراحل السابقة لوجود أی موجود، و التحولات التی تحدث له وآثارها بعد خروجه من حالة العدم. و لذلک ورد ذکره بعناوین مختلفة أخرى مثل، اللوح المحفوظ، أم الکتاب، و إمام مبین، کتاب حفیظ و... و قد أطلق کل عنوان من هذه العناوین بلحاظ خاص و اعتبار محدد.

و على الرغم من أن المراد من (الکتاب المبین) فی بعض الآیات هو القرآن الکریم، و ذلک ما یعرف من خلال السیاق و اقترانه ببعض القرائن، مثل کلمة (الوحی) أو (النزول) و... و لکن فی الآیة 59 من سورة الأنعام، و غیرها من الآیات لا یمکن أن یقال أن المراد (بالکتاب المبین) هو القرآن الکریم، مع أن القرآن الکریم استنسخ من ذلک المحل.

(الرطب) و (الیابس) حالتان متناقضتان و مختلفتان، تندرج کل الموجودات تحت أحد هذین العنوانین بنحو من الأنحاء، و لذلک فالتعبیر (بالرطب و الیابس) کنایة عن استیعاب وعمومیة العلم الالهی لکل الموجودات سواء قبل وجودها أو بعده، و حتى مرحلة انعدامها الظاهری، و لیس المراد من الرطب و الیابس الإشارة إلى موجود خاص بعینه.



[i] الانعام،59.

الجواب التفصيلي

هذه الآیة[1] تشیر إلى مراحل علم الله سبحانه و شمولیته، و مراحل العلم الإلهی هی من أکثر المسائل تعقیداً و أکثرها غموضاً، و لذلک فهی مورد اختلاف واسع و عمیق و من المسائل التی تثیر ضجةً فیما بین المحققین و العلماء المسلمین، و لهذا أصبح الجمع بین بعض الآراء و النظریات فی غایة الصعوبة، و فی ذلک یقول الملا صدرا رحمه الله بخصوص معرفة العلم الإلهی: (فاعلم أن الاهتداء بها من أعلى طبقات الکمال الإنسانی، و الفوز بمعرفتها یجعل الإنسان مضاهیاً للمقدسین بل من حزب الملائکة المقربین، و لصعوبة درکها و غموضه، زلت أقدام کثیر من العلماء حتى الشیخ الرئیس فی إثبات علم زائد على ذات الواجب و ذوات الممکنات، و حتى شیخ الرواقیین(السهروردی) و من تبعه فی نفی العلم السابق على الإیجاد، فإذا کان حال هذین الرجلین مع فرط ذکائهما و شدة براعتهما و کثرة خوضهما فی هذا الفن هذا الحال، فکیف حال من دون هؤلاء من أهل الأهواء و البدع و أصحاب الجدل فی الکلام و البحث مع الخصام)[2] و على هذا الأساس فمن الصعوبة بمکان التوصل إلى رؤیة صحیحة و نظریة قطعیة بالنسبة إلى مراحل علم الله و کیفیة حصوله، و من هنا فلابد من الاعتراف و التسلیم بالعجز المطلق إزاء معرفة کنه الذات و الصفات الإلهیة، و اجتناب التدقیق الخارج عن محله فی هذا المیدان، و على کل حال فالمستفاد من کلمات المحققین و المدققین و آرائهم أنه من الممکن لحاظ العلم الإلهی و مراتبه فی طی المراحل التالیة:

1ـ العلم بالذات، و صفاتها و أسمائها، و هذا مقام غیب الغیوب، الذی لا یمکن أن یکون مشهوداً لأی إنسان، مهما بلغ علمه و مقامه.

2ـ علم الذات بمقتضیات الذات، و هو العلم بالمخلوقات قبل الخلق بنحو کلی و إجمالی، و کونه إجمالیاً بمعنى أن المخلوقات لم تحدد و تشخص و تقدر بعد، و لم تکن قد امتازت بعضها عن البعض الآخر.

3ـ العلم بالمخلوقات قبل الخلق بنحو تفصیلی، منذ بدایة خلقها و حتى استمراره و اتصاله بالقیامة الکبرى، و معنى کونه تفصیلیاً هو أن المخلوقات قد حددت و تشخصت و قدرت، و إن مراحل وجودها و تحولاتها بلغت نهایتها.

4ـ علم خاص یکون سبباً لصدور الفعل و تحققه، و هذا العلم نفسه هو منشأ وجود الفعل، ویسمى (بالعلم العنائی).

5ـ العلم بالمخلوقات التی تم خلقها و الإحاطة بجمیع التحولات و التغیرات و التصورات بالنسبة إلیها، و إثبات کل ذلک و ضبطه بکیفیة یحفظ فیها إلى الأبد من دون أن یعرض علیه أی لون من ألوان النسیان و السهو و الخطأ و الزوال.

6ـ تسجیل أعمال الإنسان و أفکاره و أحواله و تقلباته، فمن الممکن أن تمحى و تکفّر فی حالة الإیمان بعد الکفر، أو التوبة بعد الذنب و العصیان، أو العکس من ذلک، فمن الممکن أن تحبط و تذهب أعماله فی حالة الکفر بعد الإیمان، أو العصیان و الطغیان بعد الطاعة، کما أن ملف أعمال الإنسان یغلق بعد موته إلا ما کان من قبیل السنة الجاریة، سواء الحسنة منها أو السیئة التی یبقى أثرها بعده.

و کذلک بالنسبة لسائر الموجودات بعد تبدلها و انفعالها تغلق ملفات وجودها و تثبت و تحفظ.

و مما لا شک فیه أن المراحل المتقدمة یترتب بعضها على بعض، و إن کل مرحلة تنبثق و تنشأ من المرحلة السابقة لها فهی مترتبة علیها.

و إن جمیع هذه المراحل حاکیة عن إحاطة الله الوجودیة و قیومیته على کل الموجودات و تأثیراتها، أی فعلها و انفعالها، و ذلک من دون الحاجة إلى أی وسائل و وسائط علمیة، و لیس لأی موجود أن یخرج عن شمولیة هذه الإحاطة التامة، فیکون خارج حدود معلومیة الله سبحانه، و من هنا فهذه الاعتبارات و اللحاظات و التقسیمات لحقیقة العلم الإلهیة تذکر من باب شحة التعبیر، و من أجل إمکانیة التعلیم و التعلم وتسهیله و حتى یلتفت الإنسان إلى أن وجوده و أعماله و أفکاره و سلوکه کل ذلک واقع فی مرأى الحق تعالى، و أن جمیع هذه الحالات مسجلة و مثبتة بشکل دقیق، وسوف تعرض غداً فی القیامة على هیئة صحیفة أعمال کاملة و شاملة، حتى یلتفت الإنسان إلى هذا الأمر، فیراقب أعماله بدقة و یربی نفسه على أساس التعالیم الإلهیة، فیبلغ بذلک مقام خلیفة الله فی أرضه.

و على أی حال فإن القسم الأول و الثانی اعتبره فلاسفة الإسلام من صفات الذات التی هی عین الذات، و التی تکون مصونةً و منزهة من أی لون من ألوان التغییر و التحول و التبدل، و أما بقیة الأقسام فإنها تندرج ضمن صفات الفعل، و تعد من العلم الفعلی، و هو دخیل فی التحقق العینی للموجودات. و یتأثر بتحولاتها و أطوارها فیتنوع و یتغیر و یتکثر.[3]

و حیث أن العلم الإلهی ـ و فی جمیع مراحله ـ شهودی و حضوری و منبثق عن إحاطته الوجودیة و قیومیته، فلا یکون انفعال و تأثر و تغیر علم الله فی مرتبة الفعل (العلم بالأفعال) سبباً فی انفعال الذات الإلهیة و تغیرها.[4] لأن انفعال الذات عند تغیر العلم من خصوصیات الموجودات الممکنة من قبیل الإنسان الذی یکون أغلب علمه حصولیاً ثم یترقى إلى مرتبة الشهودی الحضوری.

و أما الآیة المبارکة 59 من سورة الأنعام فإنها تقرر أن مفاتح الغیب بیده وحده، و لم یطّلع علیها أحد سواه {وَ عِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَیْبِ لا یَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَ یَعْلَمُ مَا فِی الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ یَعْلَمُهَا وَ لا حَبَّةٍ فِی ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا یَابِسٍ إِلاَّ فِی کِتَابٍ مُبِینٍ}.

و القسم الأول من الآیة الذی یقول انّ مفاتح الغیب عنده و لم یطّلع علیها أحد غیره فیها إشارة إلى القسمین الأوّلین من أقسام العلم الإلهی، أی علم الذات، الذی لم یطّلع علیه أحد، و لم یتمکن أحد من فهم و إدراک هذا العلم کما جاء فی لفظ (الخزائن) فی الآیة 21 و 6[5] التی تشابه آیة الأنعام و التی فسرت بهذا القسم من أقسام العلم الإلهی، و لذلک فالمراد من الخزائن و مفاتح الغیب هو مقتضیات الذات فی مرحلة الذات.

و أما ما تبقى من الآیة فإنه یشیر إلى علم الله فی مرتبة الفعل بعد الخلق، و یشیر تعالى إلى کل الموجودات من باب التعمیم: إن الله یعلم بکل ما فی البر و البحر و من أجل التأکید على هذه الشمولیة و الإحاطة یذکر الحبة الصغیرة التی تختفی فی السماء أو الأرض، و کذلک سقوط کل ورقة کمثال على الإحاطة الشاملة التامة، بحیث لا یغیب عن علمه شیء حتى أمثال الحبة و سقوط الورقة، و کذلک یقول تعالى: {عَالِمِ الْغَیْبِ لا یَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِی السَّمَاوَاتِ وَ لا فِی الأَرْضِ وَ لا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِکَ وَ لا أَکْبَرُ إِلاَّ فِی کِتَابٍ مُبِینٍ}.[6]

الرطب و الیابس نقیضان، وذکرهما فی الآیة یعنی أن کل موجود لا بد و أن یندرج تحت أحد هذین العنوانین، فلا یمکن لأی موجود أن یکون مصداقاً لأحدهما و مصداقاً للآخر فی نفس الوقت، فالجمع بین الرطب و الیابس فی هذه الآیة الکریمة کنایة عن کل الموجودات.

و من جهة أخرى فبما أن الموجود یمکن أن یکون رطباً فی وقت معین و یابساً فی وقت آخر، فإن هذا التعبیر من الممکن أن یکون کنایةً عن علم الله سبحانه بکل التحولات و التغیرات الحاصلة فی عالم المادة.

و (مبین)؛ یعنی الواضح الظاهر الذی لا تشوبه أی شبهة أو شک أو إبهام، قال الملا صدرا رحمه الله فی تعریف (الکتاب): (سمی الکتاب کتاباً لضم حروفه و کلماته بعضها إلى البعض مأخوذاً عن (کتیبة الجیش) و هی الطائفة من الجیش مجتمعة).[7]

و یقول فی تعریف هذه المرتبة من العلم: (و الحق أنها علمه بالأشیاء فی مرتبة ذاته علماً مقدساً عن شوب الإمکان والترکیب، فهی عبارة عن وجوده بحیث ینکشف له الموجودات الواقعة فی عالم الإمکان على نظام أتم مؤدیاً إلى وجودها فی الخارج مطابقاً له أتم تأدیة، لا على وجه القصد و الرویة و هی علم بسیط واجب لذاته قائم بذاته خلاّقٌ للعلوم التفصیلیة العقلیة و النفسیة على أنها عنه لا على أنها فیه).[8]

و إن کلام الملا صدرا رحمه الله و إیضاحاته بالنسبة للآیة 39 من سورة الرعد و التی ورد ما یشابهها فی الآیات 1 ـ 4 من سورة الزخرف، و لکن جاء التعبیر بأم الکتاب مقترناً بکلمة (باقی) و(عنده).

بالإضافة إلى أن العلم بتفاصیل کل الموجودات و تحدیدها وتقدیرها لا ینسجم مع عدم ترکیب الذات الذی ینفیه هو نفسه. و کذلک یتنافى مع تأکیده من أن العلم الذاتی یکون (عنه) لا (فیه).

إذن فالکتاب المبین و أم الکتاب و اللوح المحفوظ و لوح المحو و الإثبات و الإمام المبین، و أمثالها من التعابیر لا یمکن أن تشیر إلى علم الله الذاتی الذی هو عین ذاته، لأنه - و بحسب توضیحات ملا صدرا رحمه الله- لا بد و أن یکون هذا العلم خال من شائبة من شوائب الإمکان والترکیب و التحدید و التقدیر و لا بد أن یقترن بلفظ (عنه) و لا ینبغی أن یذکر مع لفظ (فیه). فی حین أن الإشارة وردت فی الآیات المذکورة إلى تفاصیل الموجودات و حتى تساقط الأوراق و کل رطب و یابس منها، و جاء السیاق متضمناً للفظتی (عنده) و کذلک (فی) و من هنا فإن توضیحات العلامة الطباطبائی رحمه الله أکثر دقة فی هذا المجال، حیث یقول:

(لا یوجد اختلاف بین خزائن الغیب و الکتاب المبین من حیث شمول کل واحد منهما لجمیع الموجودات، فلا یوجد موجود إلا وله فی خزائن الغیب أصل یستمد منه، و ما من موجود إلا و یکون له کتاب مبین یحصیه من قبل وجوده و عنده وبعده. و لا یوجد فرق بین الخزائن و الکتاب المبین إلا أن مرتبة الکتاب المبین أنزل من مرتبة خزائن الغیب، و هنا فمن الواضح البین لکل عالم و مفکر أنه على الرغم من کون الکتاب المبین کتاباً صرفاً لا غیر، و إن بعض أجزائه منظمة إلى الأجزاء الأخرى، و لکنه لیس من قبیل الکتب المکونة من الألواح و الأوراق المتعارفة، لأن الأوراق العادیة مهما کانت کبیرة، و مهما فرضنا لها من الکیفیات فإنها لا یمکن أن تتسع لاستیعاب کل الموجودات و الحوادث).[9]

و المراد بالکتاب المبین هو الأمر الذی تکون نسبته إلى الموجودات کنسبة برنامج العمل إلى العمل نفسه، و إن لکل موجود فی هذا الکتاب نوع تقدیر و تحدید إلا أن هذا الکتاب موجود قبل وجود کل موجود، و موجود حال وجود الموجودات، و سوف یبقى موجوداً بعد فنائها.

إنه موجود یشتمل على علم الله بالأشیاء، ذلک العلم الذی لا یمکن أن یجد النسیان و التضییع إلیه سبیلاً[10] و بجملة واحدة إن هذا الکتاب هو کتاب یحصی جمیع الموجودات الواقعة فی عالم الصنع و الإیجاد ما کان منها و ما هو کائن و ما سوف یکون، من دون أن یغادر صغیرة و لا کبیرة.[11]

و هذا الکتاب أطلقت علیه عدة عناوین و تسمیات مختلفة فی کلام الله عز و جل، منها: (اللوح المحفوظ) أو (کتاب حفیظ) و (أم الکتاب) و (کتاب مبین) و الرابع (إمام مبین) و إن لکل عنوان من هذه العناوین الاربعة عنایة خاصة و لحاظ معین.

فهو إمام مبین من جهة کونه یشتمل على قضاء الله الحتمی، و إن صحائف الأعمال تستنسخ منه کما جاء فی تفسیر الآیة 29 من سورة الجاثیة.[12]

أما کونه لوحاً محفوظاً فبلحاظ أن ما کان و ما هو کائن و ما سوف یکون یحفظ فی هذا اللوح (الکتاب) من دون أن یطاله الفناء بأی حال من الأحوال.[13] و سمی اللوح المحفوظ بأم الکتاب من جهة أن کل کتاب سماوی یتم استنساخه من ذلک اللوح.[14] و إن تسمیته (بالکتاب المکنون) فلأنه خارج عن متناول عقول البشر، و إنه مستور عنها و خافٍ علیها.[15]

و فی هذا الکتاب یُمحى و یثبت فی بعض الأحیان صدور الموجودات و خلقها و إیجادها و تحقق الکثیر من الأمور.[16] و فی أحیان أخرى تسجل فیه کل التحولات و التغیرات الحاصلة فی مسیرة الإنسان من قبیل إحباط الأعمال أو تکفیرها تبعاً للتحولات التی تطرأ على تغییر سلوکه و منهجه فی الحیاة بکامل حریته و اختیاره، و بذلک تکون صورة صحیفته النهائیة طبقاً للکیفیة التی ینتهی بها سعیه و کدحه، فتستنسخ بتلک الکیفیة و تعرض علیه یوم القیامة بشکل کتاب نهائی لا یغادر صغیرة و لا کبیرة إلاّ أحصاها.

ذلک على الرغم من أن القضایا الثابتة و غیر القابلة للمحو و الإثبات هی موجودة فی هذا الکتاب نفسه، کالحوادث التکوینیة التی مرت بالأمم السالفة و ما کان فیها من أناس مؤمنین و عصاة، و کذلک مراحل خلق السموات و الأرض و الناس، وتحقق الوعود الإلهیة فی المستقبل کالعدالة العالمیة الشاملة و حتمیة وقوع یوم القیامة و ...

و مما تقدم یتضح أن المراد من (الکتاب المبین) فی الآیات الکریمة المذکورة لا یکون هو هذا القرآن العربی المنطوق أو المکتوب، بل إن هذا القرآن و مراحل نزوله التدریجیة، و الحوادث التی مرت علیه و التی سوف تمر علیه کل هذا هو قسم و جزء من (الکتاب المبین عند الرب) و لیس القرآن جمیع ما فی الکتاب المبین. فالقرآن الآن هو بین أیدینا و مورد استفادتنا من إفاضاته و هدیه، أما (الکتاب المبین) فإنه خارج عن متناول نوع البشر، و إن اطلاع الأنبیاء و الأوصیاء و الأولیاء على بعض ما فیه منوط بإذن الله وإرادته، و مقتصر على ما یعلمه لهم منه ولیس أکثر.[17]

و لکن ما ورد فی بعض الآیات الأخرى مثل: سورة القصص،2 والشعراء،2 و النمل، 1 و الحجر، 1 و یوسف، 1 و المائدة، 15 فإنه جاء مع قرینة لفظیة إلى جانب عنوان (الکتاب المبین) من قبیل (الوحی) و (النزول) مما یدل على أن المراد من (الکتاب المبین) هو القرآن الکریم الموجود بین أیدینا و الذی یکون قابلاً للفهم لکلٍ حسب استطاعته و إدراکه و إمکانیته فی تحصیل معارفه و الاهتداء بهدیه.

إذن (فالکتاب المبین) استعمل فی القرآن الکریم على کیفیتین:

أحدهما یراد به أنه محل تجلی علم الله الفعلی قبل الخلق، و حینه، و بعده بالنسبة إلى الموجودات و ذلک على نحو التفصیل.

و أما الکیفیة الثانیة فإن المراد منها هو هذا القرآن المنطوق المکتوب الذی استخرج و استنسخ و تحقق من ذلک المحل العلمی، فلا بد من التفریق بین الاستعمالین، و لا ینبغی الخلط بینهما و وضع أحدهما محل الآخر.

التذکر الآخر هو أن بعض الروایات أشارت إلى بعض مصادیق الرطب و الیابس و لکن جمیعها من قبیل المثال وذکر المصداق، منها: إن السقط من الأجنة مصداق الیابس، و إن المولود مصداق الرطب. أو إن الزرع الذی یحصد هو مصداق الیابس، فی حین یکون مصداقاً للرطب فی حال کونه لم یحصد بعد. و لکن ظهور السیاق فی الآیة یدل على أن المراد هو تعمیم العلم الإلهی بکل الموجودات فی عالم الوجود، وجمیع تحولاتها و تغیراتها و أحوالها.[18]

و على أساس البیان المتقدم یمکن احتمال أمور ثلاثة: أوّلا: أنه من الممکن أن المراد من ملکوت السموات و الأرض التی یریها الله لأولیائه من أمثال إبراهیم علیه السلام.[19] و حتى معراج النبی صلى الله علیه و آله و سلم فی العوالم العلیا.[20] هی من باب التجوال فی عالم هذا الموجود المسمى بالکتاب المبین.

ثانیاً: إن علم الغیب لدى المعصومین علیهم السلام مستفاد من الکتاب المبین و إنه یصلهم من هذا المحل، و لکن یعطى للبعض (علم الکتاب)[21] فتکون لهم ولایة کلیة، و یعطى البعض الآخر (علماً من الکتاب)[22] فیتمتع بقدر ما من هذه الولایة.

ثالثاً: من الممکن أن یراد من العرش و الاستیلاء علیه هو هذا الموجود المسمى (الکتاب المبین) و المقصود هو هذا المقام و هذه المرتبة، فالاستواء على العرش إذن کنایة عن تدبیر عالم الوجود بعد الخلق، فیضبط فی کتاب مبین طبقاً للعلم الإلهی.[23]

مصادر البحث:

1ـ الأمین، سید مهدی، معارف قرآن در المیزان"معارف القرآن فی المیزان"، ج7 و 10 و 11 و 17 و 18 منظمة التبلیغ الإسلامیة، الطبعة الأولى، 1370، طهران.

2ـ الشیرازی، صدر المتألهین محمد، الحکمة المتعالیة، ج6، ص 110 ـ 118 و ص149 و ص306 ؛ ج2، ص 299 ـ 311 ، دار إحیاء التراث العربی، الطبعة الرابعة، 1410 هـ . ق، بیروت.

3ـ الطباطبائی، محمد حسین، المیزان، مکتب التبلیغ الإسلامی، قم.

4ـ الطبرسی، أبو علی الفضل بن الحسن، مجمع البیان، ج2، ص 311، المکتبة العلمیة الإسلامیة، طهران.

5ـ الطیب، السید عبد الحسین، أطیب البیان، ص 91 ـ 92، المعرض الإسلامی، الطبعة الثانیة، طهران،.

6ـ القمی المشهدی، محمد بن محمد رضا، کنز الدقائق، ج4، ص 342 ـ 344، مؤسسة الطباعة و النشر فی وزارة الإرشاد، الطبعة الأولى، 1411 هـ. ق، طهران.

7ـ مصباح الیزدی، محمد تقی، معارف قرآن" معارف القرآن"، ج1 ـ 3، مؤسسة فی طریق الحق، ، الطبعة الثانیة، 1368، قم.

8 ـ مکارم الشیرازی، ناصر، التفسیر الأمثل، ج 8 و 9 و 15 و 18، دار الکتب الإسلامیة، الطبعة 17 ، 1374 ، طهران.



[1] الانعام،59.

[2] الشیرازی، صدر الدین، محمد، الحکمة المتعالیة، ج6، ص 179 ـ 180.

[3] انظر: العلامة الحلی، الباب الحادی عشر، فصل نفی الحوادث عنه، و سائر الکتب الکلامیة و الفلسفیة، بحث العلم الإلهی.

[4] المصدر نفسه.

[5] الإنعام، 10؛ هود، 31؛ الإسراء، 100 ؛ ص، 9؛ الطور، 27؛ المنافقون، 7؛ انظر: المیزان، ج13، ص 196 ـ 201.

[6] سبأ:3، و یونس، 61.

[7] الشیرازی، صدر الدین محمد، الحکمة المتعالیة، ج 6، ص 289.

[8] المصدر نفسه.

[9] الأمین، سید مهدی، معارف قرآن در المیزان "معارف القرآن فی المیزان"، ص 224 ـ 225، نقلاً عن المیزان، ذیل الآیة 59 من سورة الأنعام. و کذلک المصدر نفسه، ص 229، المیزان ذیل الآیة، 58 من سورة الإسراء.

[10] المصدر نفسه.

[11] المصدر نفسه.

[12] المصدر نفسه، ص 226.

[13] المصدر نفسه، ص 230، المیزان، ذیل الآیة، 4 من سورة، ق.

[14] المصدر نفسه، ص 233، المیزان، ذیل الآیات 1 ـ 4 من سورة الزخرف.

[15] المصدر نفسه.

[16] الرعد، 39.

[17] الأنعام، 50 ؛هود، 31.

[18] انظر المیزان: ج 7، ص 212 ؛کنز الدقائق، ج 4، ص 342 ـ 344.

[19] الأنعام، 75؛ المؤمنون، 88.

[20] الإسراء، 1؛ النجم، 1 ـ 18.

[21] الرعد، 43.

[22] النمل، 40، انظر: موضوع، علم الإمام علیه السلام، السؤال 165.

[23] الأمین، سید مهدی، معارف قرآن در المیزان "معارف القرآن فی المیزان"، ص 177 ـ 184؛ المیزان ذیل الآیات: المعارج، 4؛ الزخرف، 82؛ المؤمن، 7 و 15؛ الأعراف، 54؛ الحاقة، 17؛ الحدید، 4.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

  • هل یصح أن یکون لنا أمل فی النجاة من عذاب یوم القیامة؟
    8614 العملیة 2010/07/15
    ما یمکن التوصل إلیه من خلال التعالیم الدینیة بأن الأمل برحمة الله و الخوف من عذابه خصصیتان تکمل إحداهما الأخرى، و یجب أن تتساوى کفتاهما فی نفس المؤمن، بمعنى أن المؤمن لا بد أن یکون على أملٍ کبیر برحمة الله من خلال أداء الواجبات و الامتناع عن ...
  • ما هی قصة ذبح عبد الله والد النبی (ص)؟
    6851 تاريخ بزرگان 2011/10/16
    الواقعة هی: إن عبد المطلب کان قد دعا الله عز و جل أن یرزقه عشرة بنین و نذر لله عز و جل أن یذبح واحدا منهم متى أجاب الله دعوته فلما بلغوا عشرة أولاد قال: قد وفى الله لی فلأفین لله عز و جل. فأدخل ولده الکعبة و أسهم بینهم ...
  • هل ان ابقاء العلکة تحت اللسان فی اثناء الصلاة فیه اشکال؟
    6144 الحقوق والاحکام 2009/11/11
    یقول الإمام الخمینی(قد) و باقی المراجع العظام:ابتلاع اجزاء الطعام المتبقّیة فیما بین الأسنان لایوجب بطلان الصلاة، و لکن إذا بقی القند أو السکّر و ما شابه ذلک فی الفم و ذاب بالتدریج اثناء الصلاة فابتلعه فإن فی صلاته اشکالاً.[1]
  • ما هو الایمان؟
    10587 الکلام الجدید 2007/08/22
    الایمان هو التعلق النهائی للانسان بالامور المعنویة التی یعتبرها مقدسة و یکون مستعداً لاظهار العشق و الشجاعة لأجلها.و للایمان فی القرآن جناحان: العلم و العمل، فالعلم لوحده یمکن ان یجتمع مع الکفر أیضاً، و العمل و حده یمکن ان یجتمع مع النفاق.و قد وجدت ثلاث نظریات حول حقیقة ...
  • من هی آسیة بنت مزاحم و کیف اصبحت أسوة للمؤمنین؟
    7177 تاريخ بزرگان 2010/12/01
    تعتبر آسیة بنت مزاحم بن الریان بن الولید فرعون یوسف الأول من النساء اللاوتی بلغن الذروة فی الایمان و الورع و کان من اهم ممیزات هذه المرأة انها قد جعل الله تعالى قضیة حفظ النبی موسى علیه السلام من شر فرعون؛ ولم یکن هذا کل ما قامت به، ...
  • هل ان مشاهدة السحر و مطالعة البحوث التی تتحدث عنه محرم او لا؟
    8754 الحقوق والاحکام 2008/02/19
    لقد حرم الاسلام السحر و اخذ الاجرة علیه، لکن أستثنی من ذلک حالة تعلمه من اجل ابطاله، اما النظر الى عمل السحرة او مشاهدة ذلک عن طریق التلفاز او القراءة عنه و عن الشعبذة فی الکتب و المجلات اذا لم یکن من اجل تعلمه فلا اشکال فیه، الا انه قد ...
  • ما هو موقف الأئمة و العلماء من الشعر؟
    7740 الحقوق والاحکام 2010/05/30
    قد یتوهم البعض ان الاسلام یقف موقف الضد من الشعر و الشعراء و لکن هذا توهم واضح.لا شک أن الذوق الشعری و الفن الشاعری کسائر رؤوس الأموال، له قیمته فی صورة ما لو استعمل استعمالا صحیحا و له أثر إیجابی ... إلّا أنّه إذا صار وسیلة تخریب و هدم ...
  • کیف یعلم الله بعمل الإنسان قبل أن یصدر عنه؟
    6141 الکلام القدیم 2009/10/22
    إن ما یثیر مثل هذا السؤال فی أذهاننا هو عدم الفهم الصحیح لعلاقة الله تعالى بالزمن. إن الله سرمدی و لیس زمانیاً. أی أن الله محیط بالزمان و لیس محدوداً به. و من الخطأ أساساً أن یقال کیف یکون لله علم بالمستقبل فی زمن سابق على وقوعه. لأنه لا وجود ...
  • هل یوجد تناقض بین حالة أمیر المؤمنین علی (ع) حین أعطى خاتمه للسائل، و حالة إخراج السهم من رجله دون ان یشعر به؟
    8268 درایة الحدیث 2007/09/10
    یمکن الإشارة فی الجواب إلی النکات التالیة:1. ان للانسان قدرة و استعداداً لأن یکتسب الکمالات عن طریق أداء الأعمال التی فرضها الله تعالی، و یصل إلی محل یکون حاصلاً علی جمیع الکمالات فینال مقام الانسان الکامل.2. ان نیل مقام الانسان الکامل لیس معناه أن تکون جمیع حالات الانسان ...
  • ما هی رؤیة الاسلام لمسالة التله باتی؟
    6998 الحقوق والاحکام 2009/02/18
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    283538 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    265949 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    132420 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    122486 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    92224 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    65203 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    64231 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    59353 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    55914 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • هل أن أكل سرطان البحر هو حرام؟
    52494 الحقوق والاحکام 2019/06/10
    لقد ورد معيار في أقوال و عبارات الفقهاء بخصوص حلية لحوم الحيوانات المائية حيث قالوا: بالاستناد إلى الروايات فان لحوم الحيوانات البحرية لا تؤكل و هذا يعني إن أكلها حرام[1]. إلا إذا كانت من نوع الأسماك التي لها فلس[2]، و ...