بحث متقدم
الزيارة
6721
محدثة عن: 2010/08/05
خلاصة السؤال
ما هو أساس التفاوت فی خلقة الموجودات الذی أدى أن یکون بعضها إنساناً و الآخر حیواناً أو نباتاً؟
السؤال
ما هو الأساس فی خلقة الموجودات الذی أدى أن یخلق واحد إنساناً و الآخر نباتاً أو حیواناً؟ و ما معنى أن کل موجود یخلق على قدر لیاقته؟
الجواب الإجمالي

إن عالم الوجود هو النظام الأحسن الذی خلقه الله فی أحسن وجه ممکن. لکل شیء وحدث فیه مرتبة خاصة و مقام معلوم. و یدبر هذا النظام عبر سلسلة من القوانین التی لا تتبدل و لا تتغیر.

من لوازم النظام الأحسن للوجود هو أن تکون المخلوقات على درجات و مراتب مختلفة. إن هذه الاختلافات و الفوارق لا تخلق، بل هی لازم ذاتی للمخلوقات فیخلقهم الله سبحانه على قدر لیاقتهم و سعتهم الوجودیة؛ لأنهم لا یتقبلون أی رتبة سوى رتبتهم التی خلقوا فیها.

الجواب التفصيلي

یحتوی الجواب على أربعة أقسام:

القسم الأول: لا شک فی أن هذا العالم منظم و نظمه ذاتیّ. و هناک علاقة حقیقیة بین أجزاء العالم تشبه مراتب الأعداد. نجد فی الأعداد أن رتبة "الواحد" قبل "الاثنین" و رتبة "الاثنین" قبل "الثلاثة" و بعد "الواحد"، کما نجد أن جمیع الأعداد ما عدى "الواحد" تأتی مسبوقة بعدد و سابقة لآخر. و قد احتل کل عدد رتبة و له الأحکام و الآثار الخاصة بها و بهذا شکل مجموع الأعداد اللامتناهیة نظاماً، و هذا النسق و النظام الموجود فی مراتب الأعداد أمر ذاتی.

إن هذا النظام الذاتی نفسه قائم بین المخلوقات فی عالم الوجود. یعنی أن الله سبحانه و تعالى لم یخلق مجموعة من الأشیاء دون وجود أی علاقة بینهم، ثم یأتی ویسطرهم فی صفّ واحد و یجعل بعضاً خلف بعض.

القسم الثانی: النظام القائم فی عالم الوجود هو النظام الأحسن. یعنی کل ما موجود فی العالم هو فی غایة الحسن و خلق فی أحسن حالة، بحیث لا یمکن أن یتصور أحسن منه. یقول القرآن الکریم فی ذلک: "الَّذی أَحْسَنَ کُلَّ شَیْ‏ءٍ خَلَقَه‏"[1]

القسم الثالث: هناک سنن و قوانین تتحکم فی نظام الوجود و الله سبحانه یدبر العالم عبر هذه القوانین و لا یتجاوزها أبدا کما أنها لا تتغیر و لا تتبدل کما یقول القرآن الکریم: "وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدیلاً ".[2]

القسم الرابع: أحد قوانین هذا العالم هو قانون العلیة. و بمقتضى هذا القانون لکل موجود فی نظام الوجود شأن و مقام معلوم. فلولا هذا القانون لتمکن کل شیء أن یوجد أی شیء و لتمکن أیّ معلول أن یحتل رتبة أی علة و تمکنت أی علة أن تأتی فی مکان أی معلول؛ یعنی یتساوى أثر شعلة الکبریت مع أثر شعلة الشمس فی حین أنه لیس کذلک.

إن حاکمیة قانون العلیّة على العالم أمر واضح لأن لکل معلول علة خاصة به و لکل علة أثر و معلول خاص بها و لیست مراتب موجودات العالم من قبیل الرتب الوضعیة و الاعتباریة الرائجة فی الأوساط الاجتماعیة و التی لا یفرق فیها أن یکون فلان رئیسا و فلان مرؤوسا أو بالعکس. و أما مراتب موجودات العالم فهی مراتب حقیقة و واقعیة و على أساسها لا یستطیع الخروف أن یکون أنساناً و لا یمکن للإنسان أن یکون خروفاً أو نباتاً. و لا معنى لسؤال "لماذا" هنا بأن یسأل أحد لماذا خلق هذا نباتا و هذا إنسانا و ذلک حیوانا. ففی کلمة واحدة نقول: إن الفرق فی موجودات العالم هو ذاتیّهم و هو مقتضى نظام العلة و المعلول.[3]

إذن معنى ما یقال إنه تعالى یخلق کل موجود بحسب لیاقته، هو أن الله سبحانه و تعالى یخلق الأشیاء یحسب استعدادها و استیعابها الذاتی. لیست الدرجات و الرتب التی قسمت على المخلوقات حین خلقهم و التی جعلت شیئا جمادا و الآخر نباتا أو غیره من قبیل المناصب الاجتماعیة کالرئیس و المرؤوس حتى یمکن تغییرها و تبدیلها، بل هذه المواقع مثل خواص الأشکال الهندسیة ذاتیة لها. عندما نقول إن خصوصیة المثلث هو أن یعادل مجموع زوایاه زاویتین قائمتین و خصوصیة المربع هو أن یکون مجموع زوایاه أربع قوائم لیس یعنی أنه أعطی لواحد خصوصیة التعادل مع قائمتین و أعطی الآخر خصوصیة تعادله مع أربع قوائم. فلهذا لا یمکن أن یقال: لماذا ظلم المثلث و لم یمنح خصوصیة أربع قوائم أو بالعلکس. لأن المثلث لا یمکن إلا أن یحتوی على تلک الخصوصیات المعینة و الاستیعاب الخاصّ به.

إن رتب الخلائق فی العالم هکذا أیضا. إن کون الجماد لا ینمو و لا یشعر و کون النبات ینمو و لا یشعر و کون الحیوان ینمو و یشعر، هذا ذاتی رتبة کل فئة منهم؛ لا أنها خلقت فی البدایة سواسیة فی رتبة واحدة ثم أعطى الله لیاقة النمو و الشعور لواحد و حرم آخر کل هذه المواهب و أعطى الآخر موهبة واحدة دون الأخرى. إذن هذا التصور تصور خاطئ و هو أن نفترض أن الله سبحانه و تعالى خلق الأشیاء على درجة واحدة ثم فضل بعضهم على بعض. بل الصحیح هو أن نقول إن کل واحد من الأشیاء إنما یتقبل درجة واحدة و مستوى واحدا من الوجود فحسب و إن الله لا یعطیه إلا تلک الخلقة الخاصة به. کما قال ابن سینا: "ما جعل الله المشمشة مشمشة بل أوجدها."

من أجل اتضاح المسألة أکثر لاحظوا هذا المثال: تتکوّن السیارة من عدة أجزاء من قبیل البراغی و الصامولات الکبیرة و الصغیرة و الهیکل و المحرک و العجلات و المصابیح و المقود و غیر ذلک. لکن لم یصنع الصانع والمهندس فی البدایة مجموعة من القطع بشکل مساو ثم یجعل قطعة مقوداً و الأخرى عجلة و... بل من البدایة صنع کلا من البراغی و الصامولات الکبیرة و الصغیرة و الهیکل و المحرک و العجلات و المصابیح و السکان لوحدها ثم جعل کل واحدة فی مکانها لتقدر السیارة على أداء دورها بالشکل المطلوب.     


[1]. السجده، 7.

[2]. احزاب، 62.

[3]. مطهری، مرتضی، العدل الالهی، ص 102 - 107، صدرا، الطبعة 30، 1378.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

  • هل یختلف الشیعة و السنة فی قضیة البداء؟
    7554 الکلام القدیم 2011/01/06
    المشهور أن الاعتقاد بالبداء من اختصاص المذهب الشیعی، و لکن لو إطلعنا على حقیقة مفهوم البداء و المعنى المراد منه فحینئذ یتضح لنا بجلاء أن هذا المعتقد لیس من مختصات الشیعة بل یشارکهم فیه سائر المسلمین. و الحقیقة أن الفهم الخاطئ لهذه القضیة متأثر بالمعنى اللغوی لکلمة البداء، الأمر الذی ...
  • ما هی حقیقة الذنب و ما هو اثره علی روح الانسان و نفسه و کیف نتخلص من آثاره؟
    10779 العملیة 2007/06/13
    ان الاجابة عن هذا السؤال لها اربعة اقسام:حقیقة الذنب: ان الذنب الذی یطلق فی اللغة على الاثم والعصیان هو بمعنى مخالفة امر المولى والخطأ و الانحراف، فالانسان المذنب یتبع الشهوة و الغضب بدلاً من اتباع العقل فیکون صدور أی ذنب منه ممکناً ...
  • هل توجد آیات فی القرآن الکریم یمکن أن نستخرج منها نظریة لمعرفة الجمال؟
    9197 التفسیر 2012/02/14
    الجمیل فی اللغة من مصدر الجمال و له معان کثیرة مثل: الکفوء، الحَسِن، حَسن المظهر، و فی الاصطلاح هو الظهور و الستارة المنقوشة التی تستر الکمال. و بشکل عام للجمال أربعة أنواع أساسیة. الجمال المحسوس و الجمال غیر المحسوس و الجمال المعقول و جمال الله المطلق.أما مظاهر الجمال فی ...
  • ما معنی البساطة و الترکیب فی العلم و الجهل و التصور؟
    7761 الفلسفة الاسلامیة 2009/05/09
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی. ...
  • هل یحوز إزالة شعر المرأة الزائد (ابیلاسیون) فی جمیع انحاء بدنها بواسطة إمراة اخرى؟
    7060 الحقوق والاحکام 2011/12/01
    مکتب سماحة آیة الله العظمى السید الخامنئی (مد ظله العالی):یجوز اذا تجرد عن اللمس و النظر الى العورتین.مکتب سماحة آیة الله العظمى السید السیستانی (مد ظله العالی):لا یجوز النظر الى نفس العورة و یجب سترها.مکتب سماحة آیة الله العظمى الشیخ مکارم الشیرازی (مد ظله العالی):لا ...
  • ما هو الاعتکاف؟
    11052 النظریة 2011/08/07
    الاعتکاف فی اللغة یعنی الإقامة و المکوث فی المکان و ملازمة الشیء. و فی الشرع الإسلامی یعنی الإقامة فی مکان مقدس بعلة التقرب إلى الله تعالى، و الاعتکاف لا یختص بالدین الإسلامی وحده، و إنما یوجد فی الأدیان الإلهیة الأخرى، و کذلک استمر فی الإسلام، مع أنه یمکن القول أن ...
  • لماذا ورد النهی عن طلاء البدن بالزعفران لیلة القدر؟
    7183 العملیة 2008/06/23
    للزعفران ثلاث خواص و فوائد: غذائیة، دوائیة، تجمیلیة، و إن ما ورد من النهی فی الروایة یختص بالجانب التجمیلی. هذا اولاً، و ثانیاً: إن طلاء البدن بالزعفران لیس محرماً، و لکن طبق هذه الروایة فإن من یضع الطلاء على بدنه بکثرة فی لیلة القدر فإنه لا تشمله عنایة الملائکة الخاصة، ...
  • لماذا لم یدخل الله الناس الجنة من البدایة؟
    6257 الکلام القدیم 2008/12/20
    الجنة و جهنم نتیجة و ثمرة للاعمال الاختیاریة للانسان، فالجنة التی هی نهایة المسار لا یمکن الوصول الیها من دون وجود الدنیا و العمل الصالح فیها. و لا یتنافی هذا مع کون الله فیاضاً مطلقاً، لان الفیض الالهی یجری علی أساس الحکمة الالهیة فلایتنافی مع الحکمة الالهیة، و لا ینبغی ...
  • هل تبطل المعاملة بسبب عدم تحقق الشروط و تسلیم الثمن و المبیع؟
    6777 الحقوق والاحکام 2010/01/19
    بسمه تعالیالظاهر بطلان المعاملة، و لیس فی ذمة الطرفین شیء. ...
  • کیف یمکن أداء صلاة النافلة بشوق و نشاط؟
    7528 العملیة 2012/01/18
    الإنسان یؤدی تکالیفه الیومیة بمقدار قدرته و ظرفیته، لذلک نوصیکم بالتزام ما تقدرون علیه من النوافل عند عدم وجود عمل ضروری آخر فی حیاتکم أنتم مضطرون لأدائه. صلاة النافلة، تحتاج الی حال المناجاة و العشق و الحب و إلا قد تؤدی الی نتائج عکسیة و لا تتأثر الروح بأثارها البنّاءة.

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    283373 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    265773 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    132186 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    122284 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    92078 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    64996 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    64056 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    59233 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    55736 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • هل أن أكل سرطان البحر هو حرام؟
    52340 الحقوق والاحکام 2019/06/10
    لقد ورد معيار في أقوال و عبارات الفقهاء بخصوص حلية لحوم الحيوانات المائية حيث قالوا: بالاستناد إلى الروايات فان لحوم الحيوانات البحرية لا تؤكل و هذا يعني إن أكلها حرام[1]. إلا إذا كانت من نوع الأسماك التي لها فلس[2]، و ...