بحث متقدم
الزيارة
6833
محدثة عن: 2010/08/05
خلاصة السؤال
ما هو أساس التفاوت فی خلقة الموجودات الذی أدى أن یکون بعضها إنساناً و الآخر حیواناً أو نباتاً؟
السؤال
ما هو الأساس فی خلقة الموجودات الذی أدى أن یخلق واحد إنساناً و الآخر نباتاً أو حیواناً؟ و ما معنى أن کل موجود یخلق على قدر لیاقته؟
الجواب الإجمالي

إن عالم الوجود هو النظام الأحسن الذی خلقه الله فی أحسن وجه ممکن. لکل شیء وحدث فیه مرتبة خاصة و مقام معلوم. و یدبر هذا النظام عبر سلسلة من القوانین التی لا تتبدل و لا تتغیر.

من لوازم النظام الأحسن للوجود هو أن تکون المخلوقات على درجات و مراتب مختلفة. إن هذه الاختلافات و الفوارق لا تخلق، بل هی لازم ذاتی للمخلوقات فیخلقهم الله سبحانه على قدر لیاقتهم و سعتهم الوجودیة؛ لأنهم لا یتقبلون أی رتبة سوى رتبتهم التی خلقوا فیها.

الجواب التفصيلي

یحتوی الجواب على أربعة أقسام:

القسم الأول: لا شک فی أن هذا العالم منظم و نظمه ذاتیّ. و هناک علاقة حقیقیة بین أجزاء العالم تشبه مراتب الأعداد. نجد فی الأعداد أن رتبة "الواحد" قبل "الاثنین" و رتبة "الاثنین" قبل "الثلاثة" و بعد "الواحد"، کما نجد أن جمیع الأعداد ما عدى "الواحد" تأتی مسبوقة بعدد و سابقة لآخر. و قد احتل کل عدد رتبة و له الأحکام و الآثار الخاصة بها و بهذا شکل مجموع الأعداد اللامتناهیة نظاماً، و هذا النسق و النظام الموجود فی مراتب الأعداد أمر ذاتی.

إن هذا النظام الذاتی نفسه قائم بین المخلوقات فی عالم الوجود. یعنی أن الله سبحانه و تعالى لم یخلق مجموعة من الأشیاء دون وجود أی علاقة بینهم، ثم یأتی ویسطرهم فی صفّ واحد و یجعل بعضاً خلف بعض.

القسم الثانی: النظام القائم فی عالم الوجود هو النظام الأحسن. یعنی کل ما موجود فی العالم هو فی غایة الحسن و خلق فی أحسن حالة، بحیث لا یمکن أن یتصور أحسن منه. یقول القرآن الکریم فی ذلک: "الَّذی أَحْسَنَ کُلَّ شَیْ‏ءٍ خَلَقَه‏"[1]

القسم الثالث: هناک سنن و قوانین تتحکم فی نظام الوجود و الله سبحانه یدبر العالم عبر هذه القوانین و لا یتجاوزها أبدا کما أنها لا تتغیر و لا تتبدل کما یقول القرآن الکریم: "وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدیلاً ".[2]

القسم الرابع: أحد قوانین هذا العالم هو قانون العلیة. و بمقتضى هذا القانون لکل موجود فی نظام الوجود شأن و مقام معلوم. فلولا هذا القانون لتمکن کل شیء أن یوجد أی شیء و لتمکن أیّ معلول أن یحتل رتبة أی علة و تمکنت أی علة أن تأتی فی مکان أی معلول؛ یعنی یتساوى أثر شعلة الکبریت مع أثر شعلة الشمس فی حین أنه لیس کذلک.

إن حاکمیة قانون العلیّة على العالم أمر واضح لأن لکل معلول علة خاصة به و لکل علة أثر و معلول خاص بها و لیست مراتب موجودات العالم من قبیل الرتب الوضعیة و الاعتباریة الرائجة فی الأوساط الاجتماعیة و التی لا یفرق فیها أن یکون فلان رئیسا و فلان مرؤوسا أو بالعکس. و أما مراتب موجودات العالم فهی مراتب حقیقة و واقعیة و على أساسها لا یستطیع الخروف أن یکون أنساناً و لا یمکن للإنسان أن یکون خروفاً أو نباتاً. و لا معنى لسؤال "لماذا" هنا بأن یسأل أحد لماذا خلق هذا نباتا و هذا إنسانا و ذلک حیوانا. ففی کلمة واحدة نقول: إن الفرق فی موجودات العالم هو ذاتیّهم و هو مقتضى نظام العلة و المعلول.[3]

إذن معنى ما یقال إنه تعالى یخلق کل موجود بحسب لیاقته، هو أن الله سبحانه و تعالى یخلق الأشیاء یحسب استعدادها و استیعابها الذاتی. لیست الدرجات و الرتب التی قسمت على المخلوقات حین خلقهم و التی جعلت شیئا جمادا و الآخر نباتا أو غیره من قبیل المناصب الاجتماعیة کالرئیس و المرؤوس حتى یمکن تغییرها و تبدیلها، بل هذه المواقع مثل خواص الأشکال الهندسیة ذاتیة لها. عندما نقول إن خصوصیة المثلث هو أن یعادل مجموع زوایاه زاویتین قائمتین و خصوصیة المربع هو أن یکون مجموع زوایاه أربع قوائم لیس یعنی أنه أعطی لواحد خصوصیة التعادل مع قائمتین و أعطی الآخر خصوصیة تعادله مع أربع قوائم. فلهذا لا یمکن أن یقال: لماذا ظلم المثلث و لم یمنح خصوصیة أربع قوائم أو بالعلکس. لأن المثلث لا یمکن إلا أن یحتوی على تلک الخصوصیات المعینة و الاستیعاب الخاصّ به.

إن رتب الخلائق فی العالم هکذا أیضا. إن کون الجماد لا ینمو و لا یشعر و کون النبات ینمو و لا یشعر و کون الحیوان ینمو و یشعر، هذا ذاتی رتبة کل فئة منهم؛ لا أنها خلقت فی البدایة سواسیة فی رتبة واحدة ثم أعطى الله لیاقة النمو و الشعور لواحد و حرم آخر کل هذه المواهب و أعطى الآخر موهبة واحدة دون الأخرى. إذن هذا التصور تصور خاطئ و هو أن نفترض أن الله سبحانه و تعالى خلق الأشیاء على درجة واحدة ثم فضل بعضهم على بعض. بل الصحیح هو أن نقول إن کل واحد من الأشیاء إنما یتقبل درجة واحدة و مستوى واحدا من الوجود فحسب و إن الله لا یعطیه إلا تلک الخلقة الخاصة به. کما قال ابن سینا: "ما جعل الله المشمشة مشمشة بل أوجدها."

من أجل اتضاح المسألة أکثر لاحظوا هذا المثال: تتکوّن السیارة من عدة أجزاء من قبیل البراغی و الصامولات الکبیرة و الصغیرة و الهیکل و المحرک و العجلات و المصابیح و المقود و غیر ذلک. لکن لم یصنع الصانع والمهندس فی البدایة مجموعة من القطع بشکل مساو ثم یجعل قطعة مقوداً و الأخرى عجلة و... بل من البدایة صنع کلا من البراغی و الصامولات الکبیرة و الصغیرة و الهیکل و المحرک و العجلات و المصابیح و السکان لوحدها ثم جعل کل واحدة فی مکانها لتقدر السیارة على أداء دورها بالشکل المطلوب.     


[1]. السجده، 7.

[2]. احزاب، 62.

[3]. مطهری، مرتضی، العدل الالهی، ص 102 - 107، صدرا، الطبعة 30، 1378.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

  • ما هی شروط وجوب نفقة الزوجة؟
    6077 الحقوق والاحکام 2008/10/05
    تجب نفقة الزوجة علی زوجها بشروط:1. ان یکون العقد دائمیاً.2. ان تکون قابلة للاستمتاع الجنسی؛ فالزوجة اذا کانت فی سن الطفولة و لیست فیها قابلیة الاستمتاع لا تجب نفقتها.3. ان تکون المرأة مطیعة فی الموارد التی یجب فیها اطاعة الزوج،[1] مثل التمکین من الاستمتاع، و ...
  • کیف یؤثر تغییر جنس الأب أو الأم علی الولایة علی الأطفال؟
    8434 الکلام القدیم 2009/04/18
    الولایة فی العلاقات الاسریة عبارة عن الإقتدار الذی اعطاه المشرّع للأب و الجد من جهة الأب بهدف إدارة الامور المالیة و التربویة أحیاناً للطفل (أو السفیه أو المجنون اللذین یکون الحجر علیهما متصلاً بزمن الصغر). و أحیاناً یعّد الوصی المنصوب من قبل الأب أو الجد من جهة الأب من ...
  • ما معنى الحیازة؟
    6395 الحقوق والاحکام 2012/09/19
    الحیازة فی اللغة بمعنى الضمیمة، فکل من ضمّ شیئاً إلى نفسه فقد حازه و تملکه. و الحیازة فی الإصطلاح الفقهی، أحد أسباب الملکیة و المراد منها التسلط على الشیء الذی لم یکن مسبوقاً بالملکیة، کسمک البحر و الأرض البوار و الأعشاب و غیرها. و حیازة کل شیء ...
  • ما حکم صلاة وصوم الجنود الذین یذهبون إلى مدینة غیر بلدهم للتدریب و استلام الشارة العسکریة؟
    6199 الحقوق والاحکام 2010/07/19
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • هل أن التطیّب (استعمال العطر) یبطل الصوم؟
    6432 الحقوق والاحکام 2009/07/09
    یری مراجع التقلید ان مبطلات الصوم هی تسعة أشیاء فقط:الأول: الأکل و الشرب، الثانی: الجماع (المقاربة الجنسیة)، الثالث: الاستمناء، الرابع: الکذب علی الله و النبی(ص) و الأئمة(ع)، الخامس: إیصال الغبار الغلیظ الی الحلق، السادس: رمس جمیع الرأس فی الماء، السابع: البقاء علی الجنابة و الحیض و النفاس الی أذان ...
  • ما المقصود من انّ القرآن الکریم انزل على سبعه احرف؟
    7564 علوم القرآن 2015/05/30
    لو کان معنى نزول القرآن على سبعه احرف، نزوله على سبع لغات من لغات القبائل العربیه او على سبعه قراءات ، فهذا ما لا یمکن القول به و قبوله، وان اصرّ بعض السنّه کثیراً على هذا القول و ذکروا له عدّه تفسیرات؛ لکن اذا کان المراد منه وجود ...
  • ما هی سلسلة النظام القیمی فی الاسلام؟
    6303 الانظمة 2010/09/19
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی. ...
  • کیف یمکن توجیه و تعقّل الامامة فی سن الطفولة؟
    8202 سیرة المعصومین 2006/11/13
    ان الامامة منصب الهی، و هذا من معتقدات الشیعة الضروریة المستنبطة من آیات کثیرة و احادیث نبویة شریفة و علیه فاذا أحرز نصب شخص ما من قبل الله تعالی لهذا المنصب، وجب علی المسلمین تولیه و اطاعة اوامره من باب التعبد  وبدون أی نقاش او جدال، و ذلک لان الله الحکیم ...
  • هل تلمذ الامام الصادق (ع) على أحد من علماء العامة؟
    9018 تاريخ کلام 2012/01/31
    1. لم یکن الامر بالصورة التی ذکرت فی متن السؤال، و لیس من الصحیح أن یتلمذ الامام (ع) على ید أحد من علماء العامة؛ و ذلک لان الائمة المعصومین فی غنى عن التلمذ على أحد من هؤلاء بالاضافة على توفرهم لتمام العلوم،[1] فهو ...
  • کم مرة یجب أن نکرر ذکر "استغفر الله" أثناء الاستغفار؟
    9786 سیرة المعصومین 2010/12/21
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی. ...

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    283678 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    266138 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    132585 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    122702 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    92346 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    65430 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    64387 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    59464 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    56054 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • هل أن أكل سرطان البحر هو حرام؟
    52608 الحقوق والاحکام 2019/06/10
    لقد ورد معيار في أقوال و عبارات الفقهاء بخصوص حلية لحوم الحيوانات المائية حيث قالوا: بالاستناد إلى الروايات فان لحوم الحيوانات البحرية لا تؤكل و هذا يعني إن أكلها حرام[1]. إلا إذا كانت من نوع الأسماك التي لها فلس[2]، و ...