بحث متقدم
الزيارة
6731
محدثة عن: 2011/10/06
خلاصة السؤال
متى نحکم على العقل بأنه أخطأ فی تفسیر القرآن الکریم؟
السؤال
متى نحکم على العقل بأنه أخطأ فی تفسیر القرآن الکریم؟
الجواب الإجمالي

لو قدر للانسان أن یعتمد عقله بطریقة موضوعیة بعیداً عن المیول و الاهواء و بلا احکام و فرضیات مسبقة، فحینئذ یتمکن من تحلیل آیات الذکر الحکیم و تفسیرها تفسیراً صحیحاً و لا یقترف حینئذ خطأً فاحشاً فی التفسیر.

نعم، هناک آیات قرآنیة متشابهة یسعى اصحاب القلوب المریضة أو الجهلة من الناس بصورة إرادیة أو لا إرادیة، لاعتماد المعنى المتشابه منها فیقعون فی الخطأ، و لا مجال للخلاص من هذه المشکلة الا بالتعقل و اعتماد المنهج الصحیح فی التفسیر، فمن هنا لابد من دعم العقل و تصحیح مساره للاستفادة من آیات الذکر الحکیم، بالاضافة الى الاستعانة بأولیاء الله الذین هم عدل القرآن الکریم کما ورد فی حدیث الثقلین، لا کما یتصور البعض بأن الحل یکمن فی اقصاء العقل عن ساحة التفسیر القرآنی.

الجواب التفصيلي

یمکن النظر الى آیات الذکر الحکیم من زاویتین أو من رؤیتین:

الرؤیة الاولى هی التی تقسم الموضوعات المطروحة الى محکمة و متشابهة، و هذا التفکیک ینطلق من الآیة السابعة من سورة آل عمران حیث صرحت بأن القرآن الکریم "مِنْهُ آیاتٌ مُحْکَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْکِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهات‏".

التفکیک الآخر الموجود هو فی معانی القرآن الکریم المختلفة فبالاضافة الى المعانی الظاهریة و الأولیة للقرآن هناک - حسب التعبیر الروائی- طبقات أخرى من المعانی یدرکها الافراد کل بحسب قدراته العلمیة و الفکریة.

و مع الاخذ بنظر الاعتبار هذه المقدمة، یمکن دراسة دور العقل فی فهم القرآن الکریم ضمن أربعة اقسام، هی:

1. المعنى الظاهری للآیات المحکمة: تأخذ الآیات المحکمة حیزاً کبیراً من القرآن الکریم و تشمل الادعة، و الوقائع التاریخیة و...، و هی قابلة للادراک و الفهم العقلی من قبل کافة أفراد البشر، فعلى سبیل المثال عندما نقرأ قوله تعالى "لا یُکَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها"[1] نشاهد أنها قابلة للفهم و الهضم لدى کل انسان مفکر یفهم المعنى الکلی للآیة و بانه لا تکلیف الا مع القدرة و الوسع و مع عدم القدرة ینتفی التکلیف عن الانسان.

فعندما یدرک جمیع المخاطبین معنى واحداً للآیة القرآنیة فهذا یکشف عن کون العقل البشری عنده القدرة على ادراک المفاهیم القرآنیة و لا یصح التذرع بحال من الاحوال بذریعة عجز العقل عن فهم القرآن الکریم. و الحال أن أکثر آیات الذکر الحکیم نزلت بصورة قابلة على اقل تقدیر لفهم معناها الظاهری من قبل عموم الناس.

2. باطن المعانی المحکمة: تشیر الروایات الشریفة الى اشتمال آیات الذکر على معان باطنیة بالاضافة الى معانیها الظاهریة، و لکن لیس من المتیسر إدراک تلک المعانی من قبل جمیع البشر بل القضیة منحصرة حسب تعبیر الروایات فی ثلة قلیلة من المتقین الصالحین.[2] فلو افترضان أن الانسان عجز عن الوصول الى المعانی الباطنیة لتلک الآیات لا یعد ذلک مبرراً لتعطیل القدرة العقلیة فی فهم ظواهر الآیات و معانیها الاولیة و الاستفادة منها.

3. المعنى الظاهری للآیات المتشابة: یظهر من بعض کلمات القرآن الکریم أن معانیها لا تنسجم مع التعالیم و العقائد الدینیة، کقوله تعالى " یَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَیْدیهِم‏"[3] التی لو حلمناها على المعنى الظاهری لها ستکون النتیجة أن الله تعالى ذو ید، شأنه شأن سائر الموجودات المادیة، و هذا ما یخالف اصول الاعتقاد الاولیة، و من هنا لابد من غض النظر عنها. فالعقل حتى لو عجز عن ادراک المعنى الواقعی للآیات لکنه على أقل تقدیر یستطیع مع التفکیر فی الآیات المحکمة، التوصل الى کون الآیة المذکورة من المتشابهات التی لا یمکن الاستناد الى ظاهرها، و لابد من طلب حقیقتها من أولیاء الله تعالى و الراسخین فی العلم.

4. المعنى الواقعی للآیات المتشابهة: حصرت الآیة السابعة من سورة آل عمران فهم المعنى الواقعی لهذه الطائفة من الآیات، فی الله سبحانه و تعالى و الراسخین فی العلم فقط. و من الطبیعی کلما تعزز علم الانسان ازدادت القدرة لدیه فی إدراک تلک المعانی و الوصول الى حقائق الآیات المتشابهة.

بطبیعة الحال نجد الجاهلین و الذین فی قلوبهم مرض و المغرضین یخوضون فی تلک الآیات و یستنبطوا منها بعض التفسیرات الخاطئة، مع فارق واضح و هو کون الطائفة الاولى تخوض فی ذلک من دون خبث سریرة أو نوایا سیئة، خلافا للطائفة الثانیة التی تخوض فی ذلک عن عمد و سبق اصرار لاستغلال ذلک لاغراض غبیثة.

و من البدیهی ان الأخطاء العمدیة أو السهویة لهؤلاء الافراد، لا ینبغی أن تخلق عندنا حالة من سوء الظن بقدرات العقل فی فهم آیات الذکر الحکیم، بل الصحیح السماح للعقل فی الخوض فی ذلک المضمار استجابة لنداء القرآن الکریم الذی خاطب العقلاء جمیعا و دعاهم للتفکیر و التأمل و التدبر فی آیات الذکر الحکیم.[4]



[1] البقرة، 286.

[2] انظر: المجلسی، محمد باقر، بحار الانوار، ج 89، ص 78، باب 8 (أن للقرآن ظهرا و بطنا و أن علم کل شی‏ء فی القرآن و أن علم ذلک کله عند الأئمة علیهم السلام و لا یعلمه غیرهم إلا بتعلیمهم)، مؤسسة الوفاء، بیروت، 1404 هـ ق.

[3] الفتح، 10.

[4] انظر: البقرة، 242؛ آل عمران، 118؛ محمد، 24 و...

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

  • لو کان الامام الحسین (ع) قد إنتصر فی ثورة عاشوراء و وصل الی الحکم، کیف کان وضع العالم الاسلامی الیوم؟
    7498 تاريخ بزرگان 2008/11/17
    ان العلة الرئیسیة فی حرکة الامام الحسین (ع) و ثورته هی احیاء الدین و احیاء فریضة الامر بالمعروف و النهی عن المنکر و مجاهدة الحاکم الظالم و بقصد القضاء علی الفکرة الباطلة السائدة بین المسلمین حینذاک، إذ کانوا یعتقدون بان الخلیفة و الحاکم الاسلامی أیّاً ما کان و مهما ارتکب ...
  • ما الفرق بين كلمة نزّلنا و أنزلنا؟
    9453 هدایت الاهی 2012/07/12
    الكلمتان نزلنا و انزلنا كلاهما من الجذر"نزل" و نزل فلان عن الدابة، أو من علو إلى سفل.[1]‏ و لما كانت كملة "نزلنا" من باب تفعيل (تنزيل) و أنزلنا من باب إفعال (انزال) - و مع كون كلا البابين من الابواب التي تجعل الفعل ...
  • ما حکم استخدام الرشّاش للمصاب بمرض الربو و هو صائم؟
    7502 الحقوق والاحکام 2010/08/17
    یجیز أغلب المراجع استخدام العلاجات البدیلة عن الدواء (کالحقنة و المغذی)، إلا إذا استخدمت بدائل عن الطعام فعندئذ یجب الامتناع عنها[1]. و کذلک الرشّاش الذی یستخدم فی مرض الربو، إذا کان یدخل کعلاج فی الرئة فقط فذلک لا یبطل الصوم ...
  • هل یجوز الجماع فی ایام العزاء؟
    8742 الحقوق والاحکام 2009/02/09
    الجماع باستثناء ایام الحیض و النفاس و فی حال الاحرام و الصوم نهارا او الموارد الثانویة الاخرِی، لیس حراماً فالمجامعة فی شهری محرم و صفر و ایام الوفیات و العزاء لیس فیها حرمة شرعیة، نعم یعتبر الاجتناب نوعاً من الاحترام لأولیاء الدین، کما ان الناس عادة یعتزلون الجماع لمدة ...
  • هل أن ملامسة الشیء النجس بالید یستتبع تنجسها، و لا بد من غسلها من أجل التطهیر؟
    8453 الحقوق والاحکام 2010/07/17
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • هل يصح إهداء ثواب الفاتحة و السورة لمجموعة من الموتى في آن واحد وهل يصلهم الثواب تاماً؟
    4820 احترام به مردگان 2015/05/23
    صحيح أن قضية الثواب و تحديده من شؤون المولى تعالى، إلا أنّ ذلك لا يمنع من القول بوصول الثواب تامّاً إلى الجميع إنْ شاء الله تعالى؛ و من هنا من المناسب إهداء ثواب القراءة و التلاوة للكثير من موتى المؤمنين بلا حصر لها في مؤمن خاص. الضمائم جواب ...
  • ما هو حكم النفساء؟
    7206 حیض و نفاس 2012/08/27
    النفاس: هو دم الولادة معها أو بعدها قبل انقضاء عشرة أيام من حينها و لو كان سقط و لم تلج فيه الروح، بل و لو كان مضغة أو علقة إذا علم كونها مبدأ نشوء الولد، و يقال للمرأة نفساء.[1] و من ...
  • هل يمكن أداء الصلاة المستحبة بالتيمم و هل يمكن أداء الصلاة الواجبة بنفس هذا التيمم؟
    10092 گوناگون 2012/06/19
    بناءً على ما جاء في رسائل المراجع العظام: من لم يقدر ـ بأيّ عذر كان ـ على الوضوء أو الغسل يمكنه أداء النوافل اليومية التي لها وقت معين في أول وقتها بالتيمم بشرط عدم علمه بارتفاع عذره إلى آخر الوقت. يرجی الإنتباه إلى هذه المسألة:
  • ما هو رأی الشیعة فی مسألة الإمام المهدی المنتظر (عج) ؟
    12289 الکلام القدیم 2007/09/11
    باعتبار أن السؤال کلی و مجمل، نبتدئ بإشارة مختصرة عن حیاة الإمام الحجة (عج) و أخباره الغیبیة و علامات ظهوره.اسمه (م ح م د) و لقّب بألقاب عدیدة منها، القائم، المنتظر، صاحب العصر و الزمان و ... والده الإمام الحسن العسکری (ع)، و أمه نرجس. کان تولد الإمام (عج) ...
  • أنا أعشق الله و الإسلام کثیراً جداً.
    6111 العملیة 2010/10/21
    السلام علیکم، نتمنى أن تحتفظ بهذه العلاقة الجمیلة و الآصرة المبارکة مع الله فی کل حیاتک فوجود هذا الحب فی هذا العالم المتالطم بانواع الملذات و الشهوات و المغریات یکشف عن شخصیتک المعنویة التی الباحثة عن الحقیقة و الراجیة لله سبحانه.إنها ...

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    283735 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    266209 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    132666 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    122807 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    92391 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    65564 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    64441 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    59515 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    56110 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • هل أن أكل سرطان البحر هو حرام؟
    52667 الحقوق والاحکام 2019/06/10
    لقد ورد معيار في أقوال و عبارات الفقهاء بخصوص حلية لحوم الحيوانات المائية حيث قالوا: بالاستناد إلى الروايات فان لحوم الحيوانات البحرية لا تؤكل و هذا يعني إن أكلها حرام[1]. إلا إذا كانت من نوع الأسماك التي لها فلس[2]، و ...