بحث متقدم
الزيارة
8132
محدثة عن: 2007/12/27
خلاصة السؤال
لماذا تمّ إبلاغ خلافة الإمام علي (ع) في غدير خم خاصة؟
السؤال
لماذا طرح النبي (ص) مسألة ولاية و خلافة أمير المؤمنين في رجوعه من حجة الوداع في غدير تحت ذاك الظرف الصعب؟
الجواب الإجمالي

عندما شكّل تهديد الروم من ناحية بلاد الشام خطراً على الحدود الشمالية للدولة الإسلامية و استوحش الجميع من قدرة الروم المشهورة، رأى الرسول الأكرم (ص) أن المصلحة تقتضي بأن يجهّز جيشاً کبیراً من كل أنحاء البلاد الإسلامية و يرسله إلى الحدود الشمالية للدولة الإسلامية، و عندما حان الوقت المقرّر أمر الرسول (ص) الجيش بالحركة و على خلاف ما سبق لم يأخذ معه الإمام علياً (ع) في هذه الحرب بل خلّفه نائباً عنه في المدينة.

انتهز المنافقون هذه الفرصة و أشاعوا في المدينة بأن النبي (ص) يرى أن حفظ حياة صهره أعزّ و أفضل عنده من جهاد الروم و لعله كان بطلب من ـ علي (ع) ـ نفسه. تلقى الإمام علي (ع) هذه الشائعة و التحق بالنبي (ص) مسرعاً و أصرّ عليه بأن يأذن له في الحضور في ركابه في هذه الحرب.

اما رسول الله (ص) فلتطیب بال الإمام علي (ع) و طمأنته ـ حسب الظاهر ـ و لتبليغ مسألة مهمة للمسلمين حقیقة أجابة قائلاً: "اما ترضی أن تکون منّي بمنزلة هارون من موسی إلّا أنه لا نبيّ بعدي".

مضت الشهور و الأعوام حتى حلّ موسم آخر حجة لخير البرية (ص)، أراد الرسول (ص) و إرادته مستلهمة من الإرادة الإلهية أن يطّلع كل المسلمين على هذا السفر حتى يصحبه كل متمکن من الحج (من المهاجرين و الأنصار و القبائل الساكنة في أطراف المدينة و الساكنين في كل البلاد الإسلامية) و أمر أن يُبلَّغ هذا الخبر للجميع. اُرسل الرسل بصورة خاصة إلى كل نقاط الدولة الإسلامية لدعوة الناس في المدن و الواحات و البادية للحوق بالرسول (ص) في هذا الحج.

خرج الرسول الأكرم (ص) من المدينة قبل قوافل الحجاج و خرجت على إثره باقي القوافل. و قد شيّعه كل من لم يوفق إلى مصاحبته أو لم يقدر على ذلك بالدموع و الحسرات. و قد انضمّ الناس إلى هذه القافلة الكبرى في الطريق على شكل جماعات و مواكب. و بعد أداء مراسم الحج و في طريق العودة إنقلب حال النبي (ص) فجأة و حصل له ما يحصل عند نزول الوحي. لقد أبلغه أمين الوحي بياناً قاطعاً من الله سبحانه أن "يَأَيهُّا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَ إِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس" توقّف النبي الأعظم (ص) و محل توقّفه كان في آخر نقطة مشتركة في مسير القوافل إذ بعد هذا المكان يأخذ كلٌ طريقه إلى دياره.

كان النبي (ص) يعلم بوجود المنتهزين و المستغلين بين أمته الذين لو وجدوا فرصة لغيّروا مصير هذه الأمة بالشكل الذي يريدون فليس لإرادة الله و إرادة رسوله أهمية عندهم فهي كالمتاع الذي لا يرغب به أحد منهم. إذن لا بد لهذه القافلة المتّزنة التي في أول مسيرها من أمير و الزمان آنذاك و المكان أنسب ما يكونان لهذا الأمر.

نادى منادي القافلة بالتوقف. فرجع المتقدّم، و تجمّع الجمع، ترجل الركّاب و وضع المشاة أمتعتهم على الأرض. كان الجميع في أهبة الإستعداد لتلقي الأوامر. علم الجميع أن أمراً مهمّا قد حدث حيث دعى النبي الجميع للبقاء و لسماع هذا الأمر المهم.

نُصّب منبر في أسفل نقطة من هذه الفلاة لكي يرى الجميع وجه الرسول المشرق بسهولة. فأعتلى الرسول الأعظم (ص) هذا المنبر و خطب خطبته الغرّاء و في أثناء ذلك أخذ بيد الإمام علي (ع) و أصعده المنبر إلى جنبه و رفع يده قائلاً: "من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه" ثم دعا له و دعا الناس إلى الوفاء له (ع). وکان خيمة المولی أمير المؤمنين (ع) تعیش أجواء خاصة في ذلک الیوم. و قد استبشر الرسول الأكرم (ص) ـ الذي تخلّص لتوه من ثقل الأمانة الإلهية ـ بوفاء الأمة لخليفته.

الجواب التفصيلي

عندما شكل تهديد الروم من ناحية بلاد الشام خطراً على الحدود الشمالية للدولة الإسلامية و استوحش الجميع من قدرة الروم المشهورة، رأى الرسول الأكرم (ص) أن المصلحة تقتضي بأن يجهز جيشاً جراراً من كل أنحاء البلاد الإسلامية و يرسله إلى الحدود الشمالية للدولة الإسلامية.

تعتبر الروم آنذاك احدى أكبر إمبراطوریتین في العالم قبل ظهور الدولة الإسلامية الكبرى، فقد كانت تنافس الامبراطورية الفارسیة و كانت الحرب معهم شدیدة جداً على الكثير من المسلمين و كان الإنتصار عليهم يعتبر من المستحيلات في رأي البعض. لذلك كان سعي النبي (ص) في تحشيد و تجهيزه و تكثير عدده لم يسبق له نظير. فقد اعلن (ص) سلفاً بأن الهدف هو الناحية التي تقع فيها قلعة تبوك و قد عسكر جيش الروم هناك طبقاً لأخبار المستطلعين. عندما حان الوقت المقرر أمر الرسول (ص) الجيش بالحركة و عيّن خليفته في المدينة. أما هذه المرة كانت على خلاف سائر السفرات و الحروب السابقة فقد عين الرسول الأكرم (ص) أكبر ناصر له و أقرب قريب و أشجع باسل في لهوات الحرب و أمره بالبقاء في المدينة على الأهل و العيال و النساء و المهاجرين.

عدم وجود شجاع باسل كأمير المؤمنين (ع) بين صفوف المجاهدين أمر في غاية الصعوبة بالنسبة لهم. فانتهز المنافقون أيضاَ هذه الفرصة ـ أي غياب النبي (ص) عن المدينة ـ فقد كانوا يحيكون الحبائل و يخططون الخطط لمثل هذه الغيبة الطويلة للنبي (ص)، لكنهم فوجئوا ببقاء الإمام علي (ع) فقد أحبط هذا البقاء كل مخططاتهم. من هنا حاول المنافقون تغيير المواجهة و استغلال هذه الفرصة و فأشاعوا في المدينة بأن النبي (ص) يرى أن حفظ حياة صهره و ابن عمه، أهم و أعز عنده من جهاد الروم و لعله كان بطلب من ـ علي (ع) ـ نفسه. تلقى الإمام علي (ع) هذه الشائعة التي نزلت عليه كالصاعقة و جاء مضطرباً حتى أوصل نفسه إلى الجيش المتأهب للحركة المعسكر في مخيم خارج المدينة و أصر على النبي (ص) بأن بأذن له في الحضور في ركابه في هذه الحرب. أما النبي (ص) فقد أجابه تهدئةً لباله و طمأنته ـ حسب الظاهر ـ و تبليغاً لمسألة مهمة للمسلمين و لكل الحاضرين في المعسكر بقوله: "ارْجِعْ يَا أَخِي إِلَى مَكَانِكَ فَإِنَّ الْمَدِينَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا بِي أَوْ بِكَ فَأَنْتَ خَلِيفَتِي فِي أَهْلِ بَيْتِي وَ دَارِ هِجْرَتِي وَ قَوْمِي أَ مَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي".[1]

كان كلاماً قاطعاً و واضحاً يفهمه حتى البليد و يعلم مغزاه ابسط الناس فلم يكن لإرضاء علي (ع) بل كان إعلاناً و تعييناً للخليفة الذي يأتي بعده (ص).

على كل حال تحرك الجيش إلى تبوك و بعد طيّ مسافة طويلة، رجع إلى المدينة بدون أي اشتباك. أعاد الجميع النظر في كلام النبي (ص) مراراً و تكراراً و أداروه عدة مرات في أذهانهم، فالمؤمنون الخيرون كانوا يستبشرون به كلّما مرّ في خاطرهم أما غيرهم فقد كانوا يرون أن كل ما حاكوه في أذهانهم ذهب أدراج الرياح. مضت الشهور و الأعوام حتى حلّ موسم آخر حجة لخير البرية (ص)، أراد الرسول (ص) و إرادته مستلهمة من الإرادة الإلهية أن يطّلع كل المسلمين على هذا السفر حتى يصحبه كل من له القدرة على الحج (من المهاجرين و الأنصار و القبائل الساكنة أطراف المدينة و الساكنين في كل البلاد الإسلامية) و أمر أن يُبلغ هذا الخبر للجميع.

نادى المنادون بهذا الخبر بصوتهم العالي في أزقة المدينة. أجتهد المارّون عند سماعهم لهذا الخبر و وصل الخبر إلى كل مكان و تناقلته الألسن، فحتى من كان خارج المدينة مشغولاً بالزراعة أو بالرعي تلقى الخبر بدو وصوله إلى المدينة.

اُرسل الرسل بصورة خاصة إلى كل نقاط الدولة الإسلامية لدعوة الناس في المدن و الواحات و الصحراء لمصاحبة الرسول (ص) في هذا الحج.

فقد وصل هذا النداء إلى كل مكان "كل من كانت له القدرة على صحبة النبي (ص) في حجه و طوافه و سعيه بين الصفا و المروة و وقوفه و رمي جمراته فليتهيأ و ليعد العدة لهذا السفر".

دقت أجراس قوافل المستطيعين لهذا السفر من كل القبائل مؤذنين بالحركة، و شدّوا رحالهم بدءً من سكان صحراء "نجد" إلى سكان "البطحاء" و طائف و باقي قرى أطراف المدينة و انتهاءً بحدود العراق و الشام، زيّن الفرسان خيولهم، و حمل المشاة أمتعتهم الخفيفة على مناكبهم، و سار الجميع.

أقبل المتلهّفون من أطراف المدينة إليها كالسيل المتحدر حتى يصاحبوا رسول الله (ص) في سفره هذا و وقف كل من لم تكن له القدرة على المجئ إلى المدينة في مسير القافلة منتظراً إياها حتى يحصل على فخر الإلتحاق بها في أول نقطة ممكنة.

إنقلبت المدينة و خرج الرسول الأكرم (ص) من المدينة قبل قوافل الحجاج و خرجت على إثره باقي القوافل. و قد شيعه كل من لم يوفق إلى مصاحبته أو لم يقدر على ذلك بالدموع و الحسرات. و قد انضم الناس إلى هذه القافلة الكبرى في الطريق على شكل جماعات و مواكب. أحرم رسول الله (ص) في "ذو الحُليفة" (مسجد الشجرة) و توجه إلى مكة ملبياً و الكل كان يؤدي ما يؤديه تأسّياً به. في هذه المرة أيضاً لم يصطحب النبي الأكرم (ص) ملازمه و ناصره في هذه القافلة و قد شعر الجميع بمكانه الخالي إلى جنب النبي (ص) و لعل النبي (ص) كان السباق بهذا الشعور. فقد كان مسافراً بأمر النبي (ص) إلى اليمن طبقاً لعادته في تنفيذ أوامر النبي (ص) فقد كان يتحمل و عثاء السفر و عناية بروحه قبل بدنه.

استقدم الرسول (ص) الإمام عليا (ع) فجاءه من اليمن إلى مكة كالبرق الخاطف تصهر روحه نار القلق المشتعلة و قد تضاعف نبضان قلبه، مع كل هذا الإضطراب و القلق لم ينقض على فرسه ضرباً و لم يغضب عليه بل راح يطلب منه ملاطفاً و ملتمساً أن يضع كل طاقاته و قوته في قدمه حتى يحثّ السير و الخطى و كأن الفرس قد اطّلع على ما يجول في خلد راكبه فراح يجدّ السير في هذه الصحراء كالطير الذي يطوي الصحاري و الفلاة بجناحيه الخفيفين. عينه في الأفق و ذكر الله يعلو شفتيه لم ينظر إلّا إلى أمامه، كل همه كان في أن يصل إلى محبوبه، و ليأتي بحق العبودية كما تعلمها سابقاً و ليعطر عبادته بماء ورد الصحبة.

أقبل الفارس المغوار و عرفه الجميع، فلم يكن إلّا مولى الموحدين الذي أخذ على عاتقه مسؤولية إدارة عيال الرسول (ص) و حصل بها على وسام (منزلة هارون من موسى). فهو عليّ (ع) قد كان في قيادة كتبية إلى اليمن و عندما كان قاصداً للعودة وصله خبر حجّ رسول الله (ص) و لكي يصل إليه بسرعة ترك قيادة الجيش لنائبه و توجه إلى مكة على جناح السرعة. أحرم أخيراً و أخيراً و أوصل نفسه إلى رسول الله (ص). فرح الرسول (ص) بلقائه و ضمّه إلى صدره.

توجه الجميع إلى منى تبعاً لرسول الله (ص) و جانبوا النوم إلى الصباح في ذكر الله و حمد جلاله و جبروته و غسل الأصداء التي كانت عالقة على قلوبهم ثم تبعوا قائدهم الذي توجه إلى عرفات.

تجمهر الجمع في صحراء عرفات بهدوء و هم كالبحر المتلاطم بعددهم و عديدهم حتى يسمعوا كلام رسولهم و لعل هذا الإجتماع كان تدريباً لإجتماع أكبر و خطبة أهم. أدّى الجميع مراسم الوقوف في عرفات ثم المشعر ثم مراسم رمي الجمار الثلاث ثم الهدي و التقصير[2] بكل حرارة و شوق، كما كان يعلمهم رسول الله (ص) و يؤديها بنفسه ثم بعد ذلك دقّ الركب طبول العودة بكل سرور و إبتهاج لأدائهم مناسك حجهم جنباً إلى جنب رسول الله (ص) ترك جمهور المسلمين مكة فرحين مستبشرين بطاعة الله سبحانه و توفيق صحبة النبي (ص)، و ودعهم المكيون الذين شهدوا هذا التجمع العظيم في بلدتهم بالحسرات و الآهات.

تقدم الركبان و تبعهم المشاة بعدد يفوقهم بكثير، يقدّمهم رسول الله (ص) كالشمس المشرقة في جبين هذا الموج المتلاطم راكباً ناقته متوجّهاً إلى المدينة. بعد سنين طويلة من المشقة و الإضطهاد و المحاصرة و الهجرة ثم الحرب و الإشتباك، استبشر رسول الله (ص) برضا الحق تعالى و بهذا التوفيق الإلهي الكبير إذ إنه خرج من مكة يوماً غريباً متخفياً في الليل، أما اليوم فقد أوصله الإمداد الإلهي إلى مقام حيث آمن برسالته كل أهل الحجاز و قد أدى أفضلهم أعمال الحج معه، و إن كانت وساوس الخنّاسين لم تتركه مرتاح البال أبداً.

كانت الشمس المحرقة تشرق على صحراء الحجاز و تذيب الحصى، لم يكن لهذه الصحراء ظل إلا السماء. تقدم الركب يجرّ أذياله متبختراً حتى وصل إلى ناحية "رابغ"، انقلب حال النبي (ص)، و تغيير وجهه و طرأ عليه ما يطرأ له عند نزول الوحي. لقد أبلغه أمين الوحي.بالامر الالهي " يَأَيهُّا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ  وَ إِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ  وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس ".[3]...

تلقى رسول الله (ص) أهمية هذا البيان كما تلقى أهمية زمان إبلاغه. كان يعلم ـ صلواته و سلامه عليه و على آله ـ بأن زحماته يجب أن تقدر بعد وفاته و رحيله من بين امته، فلو لم يكن على هذه القافلة أمير متمكن من القيادة لذهبت كل أتعاب و مشقات سنين مكة و محنة سفر الطائف و مشقة أنصار المدينة و عناء هجرة المهاجرين و دماء شهداء بدر و أحد و الأحزاب و حنين أدراج الرياح، و أهم من ذلك كله فلو لا الأمير القادر على أخذ زمام هذه القافلة بيده لم تكتمل هذه الرسالة. كان النبي (ص) يعلم بوجود المنتهزين المستغلين بين أمته الذين لو وجدوا فرصة لغيّروا مصير هذه الأمة بالشكل الذي يريدون فليس لإرادة الله و إرادة رسوله أهمية عندهم فهي كالمتاع الذي لا يرغب به أحد منهم. إذن لا بد لهذه القافلة المتّزنة التي في أول مسيرها من أمير جدير بالقيادة و الزمان آنذاك و المكان أنسب ما يكونان لهذا الأمر.

نادى المنادي في القافلة أن توقفوا. فرجع المتقدم، و تجمع الجمع، ترجل الركّاب و وضع المشاة أمتعتهم على الأرض. كان الجميع على أهبة الإستعداد لتلقي الأوامر. علم الجميع أن أمراً مهمّا قد حدث حيث دعا النبي الجميع للبقاء و لسماع هذا الأمر المهم.

إرتفع أذان الظهر معطراً الأرواح، فاصطف الحجاج بعددهم العديد بصفوفهم الطويلة المتصلة متّجهين نحو المعشوق. كبّروا تكبير الطاعة و وقفوا خلف نبيّهم ماسحين رؤوسهم بعتبة العبودية و بعدها استعدوا لسماع نبيهم بكلامه الذي يحيي القلوب. وقف الجميع تحت نار تلك الشمس المحرقة صنع كلّ لنفسه ظلا بأي وسيلة كانت حتى يستتر تحته من حرارة الشمس. تعلقت الأبصار بمنبر كان وسطهم صنع من أقتاب الإبل.

نصّب منبر في أسفل نقطة من هذه الصحراء لكي يرى الجميع وجه الرسول المشرق بسهولة. اعتلى رسول الله (ص) هذا المنبر فسكت الجميع. قام البعض ليساعدوا الجمع في سماع هذا الكلام النيّر و تلقي هذا البيان المهم بإعادة كلامه (ص) و تكراره. بعد لحظات دعا رسول الله (ص) أقرب ناصر له لإعتلاء هذا المنبر، كان هذا الشخص معروفاً للجميع. كان أول الناس إيماناً برسول الله (ص)  و أول مدافع عنه. كل الحاضرين كان يتذكر مبيته في فراش النبي (ص) عند هجرته إلى المدينة و كذلك يذكرون وقع سيفه في بدر كما يتذكرون هذا النداء السماوي "لا فتى إلا علي لا سيف إلا ذو الفقار" في يوم أحد و كذلك قتل عمرو بن ود في حرب الأحزاب و قلع باب خيبر فلم يكن يخفيء شيء من هذه الأمور على هذا الحشد بأكمله.

و أهم من ذلك كله إعطاء النبي (ص) له وسام "أنت مني بمنزلة هارون من موسى ..." حيث فسّر الجميع هذا المنصب بالخلافة من بعده.

خطب الرسول الأكرم خطبته الغرّاء[4] و في أثناء ذلك أخذ بيد الإمام علي (ع) و أصعده المنبر إلى جنبه و رفع يده قائلاً: "من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه" ثم دعا له و دعا الناس إلى الوفاء له (ع). فكانت خيمة المولى أمير المؤمنين (ع) تحكمها في ذلك اليوم أجواء خاصة. حيث أقبل المسلمون على هذه الخيمة للتبريك و لإعلان الوفاء زرافات و جماعات. و قد استبشر الرسول الأكرم (ص) ـ الذي تخلص لتوه من ثقل الأمانة الإلهية ـ بوفاء الأمة لخليفته.[5]

 


[1]  البحار، ج 21، ص 207.

[2]  تقصير الشعر و قص الأظافر.

[3]  المائدة (5)، آية 67.

[4]  أسرار الغدير، محمد باقر الأنصاري، نشر  مولود الكعبة، نقلا عن الإحتجاج، الشيخ الطبرسي، ج 1، ص 55ـ 67، بيروت.

[5]  مقتبس من (گنجنامة امام علي (ع))، مبحث الغدير و الولاية.

 

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

  • ما المراد من الحقيقة المحمدية؟
    11455 مناقب و ویژگی ها 2012/06/14
    الحقيقة المحمدية من مفردات العرفان الاسلامي؛ و يعنون بذلك أن الحقيقة المحمدية تمثل التعين الاول للاعيان الثابتة و التي تقف على رأس جميع " الاعيان الثابتة" التي تحققت من خلال التجلي الالهي الاكمل، و من تلك الحقيقة تفاض كافة العوالم الاخرى، و من هنا يطلق عليها أيضا ...
  • ما هی الادلة التی نملکها على افضلیة مذهب الشیعة على سائر المذاهب؟
    10919 الکلام القدیم 2008/02/14
    أفضلیة التشیع ناشئة من کونه "الحق" و أن دین الحق فی کل زمان ینحصر فی دین واحد، و أما سائر الأدیان إما أن تکون باطلةً من الأساس أو أن تکون منقرضة و منسوخة، و فی هذا العصر تعتبر الشریعة الحقة هی الشریعة الإسلامیة، و إن الإسلام الأصیل و الواقعی یتجسد ...
  • ما هی کیفیة رد السلام اثناء الصلاة؟
    6922 الحقوق والاحکام 2012/02/19
    یجب ردّ السلام فی أثناء الصلاة بتقدیم السلام على الظرف و إن قدم المسلّم الظرف على السلام على الأقوى، و الأحوط مراعاة المماثلة فی التعریف و التنکیر و الافراد و الجمع و إن کان الأقوى عدم لزومها و أما ...
  • ما هی السنن و الآداب التی تؤدى قبل الولادة؟
    9582 الحقوق والاحکام 2009/03/17
    من الأعمال التی ینبغی مراعاتها من قبل الوالدین قبل ولادة الولد: أداء الفرائض الدینیة، مراعاة آداب المعاشرة الزوجیة، أکل الطعام الحلال الطاهر، و تناول الفواکه المتنوعة، إجراء الفحوصات الجینیة، الابتعاد عن الانفعالات النفسیة، مشاهدة المناظر الجمیلة، رعایة الصحة البدنیة، ممارسة الریاضة و... .
  • ما هو المقصود بولایة الفقیه؟
    5898 الکلام الجدید 2006/05/21
    ثمة لکلمة «ولی» ثلاثة دلالات فی اللغة العربیة: 1- الصدیق 2- المحب 3- المساعد. و ذکروا لکلمة «ولایة» علاوة على المعانی السابقة، معنیین هما: 1- السلطة و الغلبة. 2- القیادة و الحکومة. استعملت کلمة «الولایة» فی المصطلحات الفقهیة فی موطنین: 1- فی الحالات التی یکون فیها المولی علیه، عاجزاً عن ...
  • ما هو حکم اداء الصلاة بدون سورة الاخلاص؟
    6668 الحقوق والاحکام 2009/10/25
    تنقسم الصلاة بشکل عام الی قسمین: واجب و مستحب:و الصلوات الواجبة تنقسم الی ثلاث حالات: اختیار و اضطرار و عجلة، و حکم کل منها هو عبارة عما یلی:الاول: حالة الاختیار: فی الرکعة الاولی و الثانیة من الصلوات الواجبة الیومیة یجب علی الانسان ...
  • هل یجب ضمان الامانة ان تلفت؟
    5096 الحقوق والاحکام 2009/09/03
    اذا کنتم استلمت المال بعنوان امانة فتلف من غیر تقصیر منکم، فانتم غیر ضامنین له و علیکم ارجاع المال الباقی الى عمتکم هی تقرر ما تفعل به.و لا ضمان على الأمین إذا تلفت الأمانة الشرعیة فی یده ...
  • هل وجد فی المجتمع الاسلامی نساء و سیدات فی الحوزة العلمیة وصلن الی درجة الاجتهاد؟
    7299 تاريخ بزرگان 2008/07/20
    الاحترام المتزاید من قبل الاسلام للعلم و المعرفة، و ایجابه علی کل مسلم رجلاً کان امراة أدی الی ان توجد علی الدوام فی المجتمع الاسلامی سیدات یشتغلن بتحصیل العلم و بالتالی یصل عدد منهن الی درجة الاجتهاد. و کمثال علی ذلک: السیدة المجتهدة الأمین التی توفیت سنة 1403 ه . ...
  • جاء فی مناجاة المحبین العبارة التالیة: «سبحات وجهه لقلوب عارفیه شائقة» أو «شائفة» أی العبارتین هی الصحیحة؟
    6563 درایة الحدیث 2011/06/11
    أورد الدعاء المرحوم الشیخ عباس القمی فی مفاتیح الجنان نقلا عن العلامة المجلسی و لکن المنقول فی متن بحار الانوار کلمة شائقة. ...
  • هل یجوز عدم تعیین شئ کمهر للزوجة بعد موافقتها، أو ان یجعل المهر مبلغاً یسیراً؟
    5795 الحقوق والاحکام 2011/02/24
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی. ...

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    283521 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    265928 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    132388 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    122453 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    92205 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    65183 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    64212 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    59334 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    55895 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • هل أن أكل سرطان البحر هو حرام؟
    52475 الحقوق والاحکام 2019/06/10
    لقد ورد معيار في أقوال و عبارات الفقهاء بخصوص حلية لحوم الحيوانات المائية حيث قالوا: بالاستناد إلى الروايات فان لحوم الحيوانات البحرية لا تؤكل و هذا يعني إن أكلها حرام[1]. إلا إذا كانت من نوع الأسماك التي لها فلس[2]، و ...