بحث متقدم
الزيارة
6270
محدثة عن: 2012/03/05
خلاصة السؤال
كيف نجمع بين قوله تعالى «كِتاباً مُتَشابِهاً» و قوله سبحانه «كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ»؟
السؤال
قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِیثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِیَ }و قال: {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آیَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِیمٍ خَبِیرٍ}في الآیة الکریمة الآولى الکتاب کله متشابه و الآیة الثانیة الکتاب کله محکم فماذا نفعل و الحالة هذه في قوله تعالى {هُوَ الَّذِیَ أَنزَلَ عَلَیْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آیَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ }؟
الجواب الإجمالي

من القواعد المهمة في علم التفسير، الاهتمام بالمشتركات اللفظية، فان اشتراك الالفاظ لا يعني الاشتراك في المعنى؛ و ذلك لان اللفظ المشترك قد يكون له اكثر من معنى من قبيل كلمة "العين" فانها تطلق على العين الباصرة و العين الجارية و الجاسوس و الذهب و...

و نحن اذا رجعنا الى كلمات المفسرين و تأملنا في الآيات الثلاثة المذكورة نجد أن الاشتراك اللفظي بينها لا يعني التضاد و التنافي لان المراد من المتشابه و المحكم في الآيتين الاولى و الثانية يختلف عما هو موجود في الآية الثالثة كما بينا ذلك في الجواب التفصيلي.

الجواب التفصيلي

من القواعد المهمة في علم التفسير، الاهتمام بالمشتركات اللفظية، فان اشتراك الالفاظ لا يعني الاشتراك في المعنى؛ و ذلك لان اللفظ المشترك قد يكون له اكثر من معنى من قبيل كلمة "العين" فانها تطلق على العين الباصرة و العين الجارية و الجاسوس و الذهب و...

و من هنا قال المفسرون أن المراد من كلمة "متشابها في قوله تعالى «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَديثِ كِتاباً مُتَشابِهاً...»،[1]: أن المقصود من (متشابه) هنا هو الكلام المتناسق الذي لا تناقض فيه و يشبه بعضه البعض، فلا تعارض فيه و لا تضادّ، و هو المتماثل من حيث اللطف و الجمال و العمق في البيان.[2]

و ذهب اكثر المفسرين في تفسير الآية المذكورة الى أنه: أحسن القول لاشتماله على محض الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و هو كلامه المجيد. و قوله: «كِتاباً مُتَشابِهاً» أي يشبه بعض أجزائه بعضا، و هذا غير التشابه الذي في المتشابه المقابل للمحكم فإنه صفة بعض آيات الكتاب و هذا صفة الجميع.[3] و ذهب البعض الآخر الى القول بان المراد من الشبه هو شبه القرآن بسائر الكتب السماوية الأخرى من جهة نزول جميع آياته من قبل الباري تعالى.[4]

أما بالنسبة الى معنى كلمة "أحكمت" في قوله تعالى «الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكيمٍ خَبير»،[5]" فقد ذهب بعض المفسرين الى القول: ان هذا الإحكام مقابل التفصيل، و التفصيل هو جعله فصلا فصلا و قطعة قطعة فالإحكام كونه بحيث لا يتفصل فيه جزء من جزء و لا يتميز بعض من بعض لرجوعه إلى معنى واحد لا أجزاء و لا فصول فيه، و الآية ناطقة بأن هذا التفصيل المشاهد في القرآن إنما طرأ عليه بعد كونه محكما غير مفصل.[6] و منهم من قال: انها تعني الاتقان و الاثبات في مقابل التشتت و الزوال، بمعنى أن كل آية من آيات الذكر الحكيم هي حجة و برهان قاطع على الحق و معجزة لاثبات نبوة النبي الاكرم (ص).[7]

أما معنى الاحكام في قوله تعالى «هُوَ الَّذی أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ...»؛[8]  فقد قال الجصاص – بعد استعراضه لمجموعة من الآراء و مناقشتها- : فلم يبق من الوجوه التي ذكرنا من أقسام المحكم و المتشابه مما يجب بناء أحدهما على الآخر و حمله على معناه إلا الوجه الأخير الذي قلنا و هو: أن يكون المتشابه اللفظ المحتمل للمعاني فيجب حمله على  المحكم الذي لا احتمال فيه و لا اشتراك في لفظه.[9] و حكم المتشابه أن يحمل على معنى المحكم و يرد إليه.[10]

اتضح من خلال ذلك ان المراد من المتشابه و المحكم في الآيتين الاولى و الثانية يختلف عما هو موجود في الآية الثالثة فلا تضاد بين الآيات الثلاث.

 


[1]. الزمر، 23.

[2] طيّب، سيد عبد الحسين، اطيب البيان في تفسير القرآن، ج 11، ص 303، انتشارات اسلام، طهران، الطبعة الثانیة، 1378ش؛ مكارم الشيرازي، ناصر، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج  15، ص 64، مدرسه الامام علي بن آبي طالب (ع)، قم، الطبعة الاولی، 1421ق.

[3] الطباطبايي، سيد محمد حسين، الميزان في تفسیر القرآن،ج 17، ص 255 و 256، دفتر انتشارات اسلامي، قم، الطبعة الخامسة، 1417ق؛ الفيض الكاشاني، ملا محسن، الأصفى في تفسير القرآن، تحقيق: درايتي، محمدحسين، نعمتي، محمدرضا، ج 2، ص 1083، نشر مکتب التبليغ الاسلامي، قم، الطبعة الاولی، 1418ق.

[4] اطیب البیان في تفسير القرآن، ج 11، ص 303.

[5]. هود، 1.

[6] الميزان في تفسیر القرآن، ج 2، ص 16 و 17.

[7] انظر: اطیب البیان في تفسير القرآن، ج 7، ص 3.

[8]. آل عمران، 7.

[9] الجصاص، احمد بن علي، احکام القرآن، تحقيق: القمحاوي، محمد صادق، ج 2، ص 281، دار احياء التراث العربى، بيروت، 1405ق.

[10] نفس المصدر، ج1، ص191.

 

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    279727 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    257976 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    128473 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    114140 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    89188 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    60239 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    59832 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    57036 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    50333 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    47379 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...