بحث متقدم
الزيارة
5219
محدثة عن: 2010/05/12
خلاصة السؤال
الى أی حدّ یمکن للدولة او القانون التدخل فی الحریة الفردیة؟
السؤال
الى أی حدّ یمکن للدولة او القانون التدخل فی الحریة الفردیة و تحدیدها؟
الجواب الإجمالي

یستعمل لفظ الحریة فی عدّة معان کالاختیار، و التحرر من الغرائز و القیود، و الانعتاق و لکن محور البحث هنا فی الحریة السیاسیة، الحریات المدنیة، الاجتماعیة.

و لقد انتهج البعض هنا منهجاً افراطیاً و اعتبروا أیّ تحدید لحریة الانسان سبباً لتعاسة الانسان و بؤسه، و لم یسمحوا بتحدید الحریة الاّ فی حالة واحدة و هی فیما اذا کانت الحریة محددة للحریة نفسها، و منهم من ذهب أن التقنین و التشریع حق من حقوق الشعب هو الذی یشرّع، و منهم من ذهب الى انّه حق الاخصائیین و الخبراء و السیاسیین فقط .

و فی المقابل نجد هناک طائفة أُخرى انتهجت منهج التفریط حیث اعتبرت الناس کائنات وحشیة و کاسرة اسرتهم المدنیة، و یذهب هذا الصنف من الناس الى ان سبب السلوک الانسان المتمدّن نسبیاً فی المجتمعات الحاضرة هو بسبب ان الانسان راى من مصلحته ان یتنازل أو یوقف حالة الصراع و المواجهة مع الاطراف الأُخرى و یذعن الى سلطة الدولة و القانون. فمن أجل الامن الاجتماعی یتنازل عن سبعیته الفطریة.

ترتبط رؤیة المفکرین الغربیین للحریة بالتفسیر الذی عرضوه للانسان من جهة، و من جهة أُخرى ان هؤلاء المفکرین بالرغم من کل نقاط الاختلاف الاساسیة بینهم إلاّ انهم یشترکون فی نقطة واحدة و هی انهم یرون: التقنین حقاً بشریاً خالصاً.

و لکن الفکر السیاسی الإسلامی یرفض هذین المسلکین و المنهجین، لانّ الانسان وفقاً للنظریة الإسلامیة ذو بعدین، البعد الفطری الالهی، و البعد المادی الطبیعی و الذی هو منشأ المیول الحیوانیة. و من هنا لابدّ ان یکون التقنین و تحدید مسار الانسان الدنیوی لله سبحانه و فی ظل الوحی الربّانی باعتبار کونه تعالى هو العارف بمصالح ومفاسد العباد.

الجواب التفصيلي

یطلق لفظ الحریة و یراد منه معان متعددة کالاختیار، و التحرر من الغرائز و القیود، و الانعتاق، و لکن الذی یعتبر مصب البحث و مرکز الدراسة فی مجال السیاسة هو الحریّات المدنیة و الاجتماعیة. و السؤال الاساسی المطروح فی باب الحریة الاجتماعیة هو: الى أیّ حدّ یمکن للدولة أو القانون التدخل فی الحریة الفردیة و تحدیدها؟

انتهج بعض المفکرین فی مقام الجواب عن السؤال المطروح منهج الإفراط و اعتبروا أیَّ تحدید للحریة یُعد سبباً لتعاسة الانسان و بؤسه یقول جان استورت میل:

«المجتمع الذی یحدّ الحریة یصنع افراداً ضعفی العقول مترددیین، و الخلاصة: یصنع اناساً ذوی استعدادات قلیلة»[1].

و اما جان جاک روسو فیقول:

«ان من یصرف النظر عن الحریة لدى الانسان انما یصرف النظر عن حقوق بل و حتى عن وظائف البشریة، و هذه الخسارة لا یجبرها أیّ شیء ابداً».[2]

ان هذه الطائفة من المفکرین لا یسمحوا بتحدید الحریة إلاّ فی حالة واحدة و هی فیما اذا کانت الحریة مانعة من تحقق الحریة، یعنی فی حالة ما اذا کانت حریة فرد معیّن سبباً لتقیید أو سلب حریة الآخرین، من هنا یرى هؤلاء ان الحریة تحد بالحریة فقط.

و من بین هؤلاء المفکرین مثل روسو یرون ان التقنین و التشریع حق من حقوق الشعب، و لیس للدولة إلاّ دور التنفیذ لارادة الشعب. و لکن هناک طائفة أُخرى منهم مثل جان استوارت میل یذهبون ان هذا حق من حقوق الاخصائیین و الخبراء و السیاسیین الذین یستطیعون البحث فی القضایا الاجتماعیة و تشخیص الصالح من الفاسد منها و رسم الحدود بینهما.

و لکن هناک طائفة أُخری من المفکرین انتهجت منهج التفریط مثل میکافیلی الذی یرى ان الناس وحوشا کاسرة و مفترسة اسرتهم المدنیّة، و من هنا لو اطلق لهم عنان الحریة فانّهم سیرجعون الى حالتهم و صفاتهم السابقة من التوحش و الافتراس، و قد أیّد تلک النظریة المیکافیلیة العالم الانجلیزی توماس هویز حیث یرى هویز ان سبب هذا السلوک المدنی نسبیّاً لدى الانسان فی المجتمعات المعاصرة هو انهم رأوا أن من مصلحتهم الخاصة التنازل و ترک حالة الصراع و المواجهة مع بعضهم الآخر و الاذعان الى السلطة و القانون، فمن أجل الامن الاجتماعی تنازل و تخلّى عن سبعیته الفطریة. و بعبارة أُخرى: یرى هویز ان المجتمع البشری مجتمع یحکمه قانون الغاب فی حروبة فلابدّ من وجود (آفة) تنین[3] باسم الدولة یستطیع السیطرة علیه،[4] و من هنا نرى هابز یوجه  دکتاتوریة الدولة قائلاً: ان الناس وفقاً لنظریة العقد الاجتماعی قد امضوا عقداً آحادی الجانب (ایقاعی) مع الدولة، تنازلوا خلاله عن حریاتهم الفردیة فی مقابل الامن الاجتماعی.

ان نظرة اجمالیة لما مرّ تکشف لنا ان آراء المفکرین الغربیین فی الحریة ترتبط ارتباطاً وثیقاً بتفسیرهم للانسان، فاذا ما کان التفسیر سلبیّاً ، کان المنهج المعتمد هو قبال الحریة هو المنهج المیکافیلی ومنهج توماس هویز، و امّا اذا کان التفسیر ایجابیّاً و النظرة إلى الانسان نظرة تفاؤلیة حینها یسود منهج جون لوک و جان جاک روسو.

نلاحظ من جهة أُخرى ان جمیع هؤلاء المفکرین المتنوّرین ـ حسب الاصطلاح المعاصر ـ بالرغم من وجود الاختلاف الکثیر بینهم فی کافة القضایا إلاّ انّهم یشترکون فی نقطة واحدة و هی انهم یرون: ان التقنین حق بشری خالص، حتى من یرى ان الانسان وحشی بالطبع و کائن مفترس.

و لکن الفکر الإسلامی یرفض هذین المنهجین، حیث یرى الانسان کائناً مزدوجاً ففی الوقت الذی یحمل فیه فطرة الهیة تسوقه نحو فعل الخیرات و التمسّک بالمعنویات[5]، فی نفس الوقت هو موجود یمتلک بُعداً مادیّاً و طبیعیاً یکون منشأ للغرائز و المیول الحیوانیة، و ان سعادة الانسان تتحقق فیما اذا تغلّب البعد المعنوی الالهی و الفطری من الانسان على بعده المادی، مع المحافظة على البعد الطبیعی بصورة متوازنة و صحیحة.

کما ان الفکر الاسلامی یذهب إلى ان التشریع و التقنین و تعیین المسار المادی للإنسان منحصر بالهدایة الالهیة و فی دائرة الوحی الربانی، لانه سبحانه و تعالى هو العالم الواقعی بمصالح الانسان و مفاسده.

من هنا یتضح لنا ان النظریة الاسلامیة لمفهوم الحریة نظریة متوازنة لا تمیل الى جانب الافراط و لا التفریط، فلا تبیح الحریة المفرطة التی تقود المجتمع إلى الفساد و الرذیلة، و لا أنها تنظر إلى الانسان نظرة متشائمة و سلبیة تجبره على الاذعان لکل حکومة ظالمة تستحق حریاته و تهدر کرامته و تحوّله من موجود فعّال و مختّار و مسؤول إلى موجود ذلیل عدیم الارادة.

لمزید الاطلاع انظر: هادوی طهرانی، ولایت و دیانت، نشر مؤسسة فرهنگى خانه خرد ـ دار العقل الثقافیة ـ ، قم، الطبعة الثانیة، 1380 هـ . ش.



[1] جان استورت میل، رساله در باره آزادى ـ رسالة حول الحریة، الشیخ الإسلامی، ص 25، بنگاه ترجمه و نشر کتاب، 1338 هـ ش.

[2] جان جاک روسو، قرارداد اجتماعی -العقد الاجتماعی-، شکیباپور.

[3]Leviatan.

[4] ضاعی، محمود، آزادی فرد و قدرت دولت» بحث در عقاید سیاسی احتناعی -بحث فی المذهب السیاسی و الاجتماعی لتوماس هوبز و لوک و استوارت میل، طهران 1338 هـ . ش. د. جمیل باروت المجتمع المدنی ص 18 ـ 14 .

[5] الروم 30، فطرت الله التی فطر الناس علیها.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    279610 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    257772 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    128376 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    113716 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    89124 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    60099 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    59730 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    56983 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    50117 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    47315 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...