بحث متقدم
الزيارة
7368
محدثة عن: 2007/11/21
خلاصة السؤال
لماذا خلق الله الانسان و هو یعلم أنه یذهب إلى النار؟
السؤال
إن الله سبحانه یعلم بمصیر الإنسان قبل خلقه، و إننا نعلم أن مصیر الکثیر من الناس إلى جهنم، فإذا سأل أحد من هؤلاء الناس ربّه: لماذا خلقتنی و أنت تعلم أننی أذهب إلى النار؟ فماذا یکون جواب الله سبحانه؟
الجواب الإجمالي

1- إن العذاب الإلهی یکون على أنعکاسا لأعمال الإنسان الاختیاریة فی حال عدم استفادته من أسباب الهدایة و إعراضه عن نداء الرسول الباطنی و الرسول الخارجی.

2- إن علم الله بمصیر الموجودات و طریقة تعاملها و کیفیة سلوکها لا یوجب إجبارها على ارتکاب الأخطاء و الذنوب، و إنّ واقع الأمر هو، أن علم الله کاشف لأعمال الموجودات.

2- إن خلق أهل الشقاء من الضرورات، فلابد من وجود الشیطان، و ذلک من أجل إیجاد بیئة ملائمة لتکامل الإنسان و رشده.

4- مع أن خلق شیاطین الجن و الإنس من الضرورات، و لکن من یلعب هذا الدور یلعبه باختیاره و إرادته دونما جبر من قبل الله تعالى.

الجواب التفصيلي

مسألة (السر فی خلق أهل الشقاء و عذابهم) ترجع إلى البحث المعروف (الجبر و الاختیار) و یقال فی ذلک:

إن الله یعلم منذ البدایة بمصیر الموجودات، فلماذا خلقهم؟ أ لیس هذا الخلق من باب الإجبار، و إنه خارج تماماً عن إرادة الإنسان و حریته؟! و من جهة أخرى فلو أن هذا المخلوق لا ینجر إلى العصیان و الطغیان، فإن ذلک یعنی إیجاد التناقض بالنسبة لعلم الله المبنی على أساس أن هذا المخلوق سوف یعصی و یطغى، إذن فهذا الموجود مجبور، و لابد له من أن یطغى و یخرج عن الطریق، و لیس بإمکانه أن یکون بشکل آخر، و هذا نوع آخر من أنواع الجبر.

و لذلک سوف نبدأ الکلام بإیضاح عدد من النقاط ذات الارتباط بـ (علم الله) أو (اختیار العباد و إجبارهم):

1- علم الله بمصیر المخلوقات و کیفیة تعاملها و سلوکها لا یوجب إجبارها على فعل الخطأ و العصیان، فمثلاً: لو فرضنا أنک تراقب الطریقة التی یقود بها صاحبک سیارته و أنت واقف على مکان مرتفع، حیث ترى أن هذا اللون من القیادة سوف ینتهی بصاحبه إلى الهاویة نتیجة لسلوکه و عمله اللامنضبط و اللاعقلائی، فإذا کنت على علم کامل بذلک، و إن صاحبک وصل إلى مصیره المحتوم بعد دقائق نتیجةً لعمله فهل إنک مقصر بحقه؟! و هل کنت السبب و الباعث على سقوطه و هویه فی الوادی؟ و هل لعلمک دخل باختیاره (لهذه الطریقة فی القیادة) و له دور فی إجباره علیها؟

و هل أن المهندسین و صانعی السیارات الذین یعلمون علماً یقیناً أن الکثیر من الحوادث تقع بسبب سوء الاستفادة من السیارات و عدم الانضباط فی القیادة لهم دخل فی إجبار الناس على المخالفة و تسبب الحوادث؟

إن الله سبحانه لم یقدر مصیر الإنسان (على المعصیة و الذنب) إطلاقاً، و قد نقل المحدثون و الرواة حدیثاً عن الرسول الأکرم (ص): «لعنت القدریة على لسان سبعین نبیاً. قیل: و من القدریة یا رسول الله؟ فقال: «قوم یزعمون أن الله قدر علیهم المعاصی و عذبهم علیها».[1]

2- و من الأفضل أن نقول إن الله سبحانه علم بمن یأخذ بأسباب الهدایة و الرشاد و یستفید من الأرضیة الصالحة لذلک، کما أنه یعلم بمن یعرض عنها و لا یستفید منها. و إن ما یصیب الناس من عذاب إنما هو انعکاس لأعمالهم الاختیاریة و عدم استفادتهم من أسباب الهدایة، تماماً کما هو الأمر بالنسبة إلى المعلم عندما یشرع ببیان الدرس لطلابه، فإنه یوفر عوامل الموفقیة و النجاح للجمیع، و لکنه یعلم مَنْ من طلابه سوف یستفید من هذه العوامل و من منهم لا یعیرها اهتماماً، و من الطبیعی أن تکون الدرجة و النجاح من نصیب أصحابها، و أما الإخفاق و الفشل فهو من نصیب أهله الذین اختاروا لأنفسهم هذا الطریق. فعلم المعلم کاشف لسلوک الطلاب، و لیس عاملاً من عوامل إجبارهم على الکسل و الفشل.

و الخلاصة: إن الله یعلم بطاعة العبادة و معصیتهم، و إن هذا العلم کاشف و تابع[2] لسلوک العباد».[3]

3- جمیع هذه الاعتراضات یمکن أن تکون موجهة و مقبولة فیما لو لم یرسل الله رسولاً أو یجعل سبباً للهدایة، و مع ذلک یرید الهدایة من الناس، و لکن عندما یزود الإنسان بالرسول الباطن (العقل) و یرسل إلیه الرسول الظاهر (الأنبیاء و الرسل) فمن هو المقصر یا ترى؟ الذی لدیه مائة مصباح و یظل الطریق، أم یلام المتخلف بسبب کسره لمصباحه؟

4- الحیاة فی هذه الدنیا هی حیاة مدرسة الإرادة، و سعادة و شقاوة کل انسان بیده.

و الإنسان هو الذی ینبغی علیه أن یتحرک من جانب و یطلب الهدایة و التوفیق من الله من جانب آخر.

5- إن الله خلق الانسان و اراد له التکامل و لکن هذا التکامل یحصل من خلال عدة اسباب منها الصراع بین الخیر و الشر، فلابد من وجود دور الشیطان حتى یهیأ المحیط الملائم للتکامل و الترقی، و لکنه یلعب هذا الدور بارادته و اختیاره فوجود الشیطان لیس مضراً بالنسبة للذین یؤمنون بالله و یختارون السیر على طریق الحق، و إنما هو وسیلة من وسائل التقدم و الترقی، و ذلک لأن التکامل و التقدم و الرقی لا یکون إلا فی معترک التضاد و التدافع.[4]

6- مع أن الدور الذی یلعبه شیاطین الجن و الإنس ضروری، إلاّ أن الذی یلعب هذا الدور لا یکون مجبراً علیه، و إنما یمارسه باختیاره و إرادته، و لا وجود لأی جبر من جانب الله سبحانه و تعالى.

إن الله سبحانه لم یخلق الشیطان شیطاناً، و الدلیل على ذلک ما کان علیه من العبادة و الطاعة (6 آلاف عام)[5] جنباً إلى جنب مع الملائکة و أهل العبادة، و لکنه ابتعد عن رحمة الله سبب طغیانه و تکبره و باختیاره و لذلک طرد و أبعد.

و کذلک العمل الذی قام به یزید بن معاویة فإنه عمل اختیاری أقدم علیه بکامل إرادته، و لذلک لیس لیزید أن یقول: إلهی لم خلقتنی لأن الله سوف یجیبه: إن خلق دورک کان ضروریا، و إذا تسائل قائلاً: و لماذا أنا الذی أقوم بتأدیة هذا الدور، فإن الله سبحانه یجیبه بالقول: إنک اخترت هذا الدور بنفسک، و کان بإمکانک ألا تکون یزیدَ الحالی، فلا تؤاخذ و لا تعاقب.

و بعبارة أخرى، إن فی النظام الحالی لابد من وجود أناس سیئین حتى یصل أناس آخرون إلى الکمال من خلال التعامل معهم. و کمثال لذلک لابد من وجود یزید حتى یکون الحسین (ع) و یکون معنىً للعمل الذی قام به، و فی هذا الإطار لابد أن یصل الحسین (ع) إلى مقام الشهادة السامی و ینال أعلى الدرجات، و لکن الله لم یجبر أحداً على أن یکون مصداقاً لیزید، و إن الإنسان نفسه هو الذی یضع نفسه فی هذا الموقع باختیاره و لذلک لیس بإمکانه أن یقابل ربه بالسؤال و یقول لماذا یجب علی أن ألعب دور یزید فی هذه الحیاة؟ و ذلک لأنه لا وجود له (یجب) فی البین، و کان بإمکانه أن لا یکون کذلک.

7- إن أصل خلق الإنسان لطف من الله تعالى بحق الإنسان کمثل شخص یعد مائدةً و یدعو عدداً من الناس لتناول الطعام، و عند الحضور یوجد بینهم من یختار عدم الاستفادة من الطعام المعد، و على أثر عمله هذا یصاب ببعض العوارض المدمّرة، و من هذه الجهة فلا لوم على المضیف و لیس بالإمکان مؤاخذته بسبب دعوته لهذا الشخص. و إنما لو لم یوجه له الدعوة (لعلمه أنه لم یأکل من هذا الطعام) فمن الممکن أن یعاتبه بالقول: إنه لماذا لم توجه لی الدعوة، و لو أنک دعوتنی لکنت تناولت من هذا الطعام.



[1] أنه (ص) قال: «لعنت القدریة على لسان سبعین نبیاً». قیل: و من القدریة یا رسول الله؟ فقال: «قوم یزعمون أن الله قدر علیهم المعاصی و عذبهم علیها». بحار الأنوار، ج 5، ص 47.

[2]قال: و هو تابع بمعنى أصالة موازیه فی التطابق.

أقول: اعلم أن التابع یطلق على ما یکون متأخرا عن المتبوع و على ما یکون مستفادا منه و هما غیر مرادین فی قولنا العلم تابع للمعلوم فإن العلم قد یتقدم المعلوم زمانا و قد یفید وجوده کالعلم الفعلی و إنما المراد هنا کون العلم و المعلوم متطابقین بحیث إذا تصورهما العقل حکم بأصالة المعلوم فی هیئة التطابق و أن العلم تابع له و حکایة عنه و أن ما علیه العلم فرع على ما علیه المعلوم و على هذا التقدیر یجوز تأخر المعلوم الذی هو الأصل عن تابعه فإن العقل یجوز تقدم الحکایة على المحکی. کشف‏المراد، ص 231.

[3] الخواجه نصیر الدین الطوسی، کشف المراد،ص 230.

[4] البسیونی، محمد، شناسی از دیدگاه قرآن کریم "معرفة الشیطان فی نظر القرآن الکریم"، ص 17.

[5] نهج البلاغة، الخطبة القاصعة، ش 234.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    279847 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    258206 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    128604 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    114471 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    89271 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    60452 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    59957 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    57117 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    50628 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    47445 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...