بحث متقدم
الزيارة
7097
محدثة عن: 2010/10/18
خلاصة السؤال
مع اشتراط البلوغ فی التکلیف الشرعی فما هو حکم الاعمال الصالحة و الطالحة الصادرة قبل البلوغ؟
السؤال
من المعروف أن المذهب الامامی یشترک فی التکلیف بلوغ الولد 15 سنة و البنت 9 سنیین قمریة، فاذا اخذنا بنظر الاعتبار الآیات السابعة و الثامنة من سورة الزلزلة التی تقول " فمن یعمل مثقال ذرة خیراً یره و من یعمل مثقال ذرة شراً یره" فما هو حکم الاعمال الصادرة من الاطفال قبل البلوغ فهل یثابون على الحسنة منها و یعاقبون على الاعمال السیئة منها؟
الجواب الإجمالي

صحیح أن التکلیف الشرعی للانسان یبدأ من بلوغه سن التکلیف الشرعی، الا أن ذلک لا یعنی بحال من الاحوال کون الاطفال فی کل مراحل الطفولة غیر مسؤولین عما یصدر منهم من افعال سواء کانت حسنة أم سیئة و انهم أحرار فی فعل ما یشاءون، فان فقهاء الاسلام قد استثنوا الاطفال الممیزین الذین یمیزون الصالح من الطالح عن غیرهم و افتوا بان الطفل الممیز اذا قام بعمل خیر یعطى ثواب العمل المستحب، بل ان بعض الفقهاء ذهبوا الى مشروعیة عبادات الطفل لا انها مجرد أمور تمرینیة. و فی المقابل یؤاخذ الطفل الممیز على الاعمال السیئة التی تصدر منه و إن کانت مباحة للاطفال غیر الممیزین. و فی کثیر من الاحیان یکون الطفل الممیز أو ولیه الشرعی مسؤولاً عما یقترفه من اعمال و أنه یکون ضامناً لها.

الجواب التفصيلي

من شروط التکلیف الالهیة البلوغ، فلا یتجه التکلیف إلى الإنسان- رجلا کان أم امرأة- إلّا إذا بلغ. فغیر البالغ لیس بمکلف[1]. لکن مع ذلک نجد الفقهاء قد بینوا بعض الاحکام الخاصة بالصبیة الذین یمیزون الصالح من الطالح و الصحیح من غیر الصحیح و اطلقوا علیهم عنوان "الصبی الممیز"[2]، من تلک الاحکام:

1. یجب ردّ السلام فی أثناء الصلاة و لو کان المسلّم صبیاً ممیزاً.[3]

2. لا یصح بیع الصغیر و لو کان ممیزاً و کان بإذن الولی إذا کان مستقلا فی إیقاعه على الأقوى فی الأشیاء الخطیرة و على الأحوط فی غیرها و إن کان الصحة فی الیسیرة إذا کان ممیزاً مما جرت علیها السیرة لا تخلو من وجه و قوة.[4]

3. تحل ذبیحة الطفل إذا کان ممیزاً.[5]

4. یعتبر فی القاذف البلوغ و العقل، فلو قذف الصبی لم یحد و إن قذف المسلم البالغ العاقل، نعم لو کان ممیزاً یؤثر فیه التأدیب أدب على حسب رأی الحاکم.[6]

5. یستحبّ تمرین الممیّز من الأطفال على قضاء ما فات منه من الصلاة، کما یستحبّ تمرینه على أدائها، سواء الفرائض و النوافل، بل یستحبّ تمرینه على کلّ عبادة.[7]

6. یجب ستر العورة عن الناظر المحترم رجلاً کان أو امرأة حتى المجنون و الطفل الممیزین[8]. کما یحرم النظر إلى عورة الغیر و لو کان المنظور مجنونا أو طفلا ممیزا، نعم لا یجب سترها عن غیر الممیز، کما یجوز النظر إلى عورة الطفل غیر الممیز.[9]

وقد تعرض السید الشهید الصدر (قدس) بعد بحث شرطیة البلوغ فی التکلیف الى ثلاث نقاط مهمة هی:

(أ) ان ذلک (شرطیة البلوغ) لا یعنی عدم کون الولی مسؤولًا عن تصرف هذا الإنسان غیر البالغ و توجیهه و إنزال العقاب به فی حالات التأدیب، فالولی من أهله یجب علیه أن یقیه النار و التعرض لسخط اللّه تعالى عند بلوغه، و ذلک بأن یهیئه قبل البلوغ للطاعة و یقربه نحو اللّه تعالى بالوسائل المختلفة للتأدیب، من الترهیب و الترغیب و التعوید و التثقیف عملا بقوله تعالى قُوا أَنْفُسَکُمْ وَ أَهْلِیکُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ عَلَیْها مَلائِکَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا یَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ یَفْعَلُونَ ما یُؤْمَرُونَ (التحریم 6).

و إذا أدى الولی کل ما علیه و لم یفلح فی حمل ولده على الهدى و الصلاح فلا وزر علیه من هذه الناحیة.

(ب) ان أعفاء غیر البالغ من المسؤولیة الأخرویة و ما تمثله من الإلزام لا یعنی عدم استحسان الطاعة منه و عدم وقوع العبادة صحیحة إذا أداها بالصورة الکاملة، فیستحب منه ما یجب على البالغ و ما یندب إلیه البالغ من عبادات على أن لا تکون مضرة بحاله. و ینبغی للصبی أن یبدأ بالتعود على الصلاة إذا أکمل سبع سنین، و على الصیام إذا أکمل تسع سنین و لو بأن یصوم قسطا من النهار ثم یفطر إذا أجهده الصوم و غلب علیه العطش أو الجوع.

(ج) ان عدم کونه ملزما و مکلفا شرعا لا یعفیه نهائیا من التبعات التی قد تنجم عن بعض تصرفاته، کتعویض الآخرین إذا تسبب إلى إتلاف أموالهم مثلا، و إنما یوجب تأجیل إلزامه بهذا التعویض إلى حین البلوغ.[10]

و هنا ینبغی الالتفات الى ملاحظتین ضروریتین هما:

1. لا ینبغی تقییم عمل الاطفال غیر الممیزین و اضفاء صفة الصلاح او عدم الصلاح علیه بمعنى عدم اضفاء القیمیة علیه، من هنا لا ینطبق على عملهم ما ورد فی سورة الزلزلة.

2. التمییز أمر نسبی. و بعبارة اخرى تارة یکون الطفل ممیزاً فی بعض الموضوعات الشرعیة، و لکنه فی مواضیع أخرى لا یکون کذلک، فمن هنا یشملة الکلام المذکورة آنفاً فی الموضوع من القسم الاول دون الثانی.

النتیجة:

یمکن القول من خلال ما مر: لو کان الصبی الذی لم یصل الى سن التکلیف الشرعی ذکیاً نبهاً یمیز الصالح من الطالح و الحسن من السیئ فان اسلامه و ایمانه مقبولان، بل لا یقتصر الأمر على قبول ایمانه و انما یتعدى الى صحة عبادته کما اشار الى ذلک الفقهاء فیصح الصوم و سائر العبادات من الصبی الممیز.[11] فاذا صحت عبادة هکذا صبی غیر بالغ فمن باب أولى یصح ایمانه، فالنتیجة أن ایمان الصبی الممیز قبل البلوغ مقبول شرعاً. بل اکثر من ذلک نحن نعتقد ان هکذا صبی مسؤول عن بعض الذنوب التی تصدر منه و لایعد عدم البلوغ مبرراً لاعفائه عن المسؤولیة و اطلاق العنان له فی ارتکاب جمیع الذنوب، من هنا لو فرضنا انه قام بقتل انسان و هو یعلم أن القتل أمر قبیح فهو ضامن لدمه و أنه مسؤول أمام الله تعالى عن ذلک. فالاطفال غیر البالغین اذا تحلوا بالذکاء و الفطنة فان ایمانهم مقبول و على هذا لا یعد البلوغ شرطا فی قبول الاسلام و الایمان بل یقبلان ممن لم یصل الى السن الشرعیة مع تحقق الوصف الذی ذکرناه.[12]


[1] الصدر،سید محمدباقر،الفتاوی الواضحة، ص126.

[2] توضیح المسائل للامام الخمینی، م 57.

[3] الامام الخمینی، تحریر الوسیلة، ج 1، ص187.

[4] المصدر، ج1، ص507.

[5] نفس المصدر، ج 2، ص146.

[6] نفس المصدر، ج‏2، ص: 474.

[7] العروة الوثقى (المحشى)، ج‏3، ص: 74.

[8] تحریر الوسیلة، ج‏1، ص: 17.

[9] نفس المصدر.

[10] الفتاوی الواضحة، ص126.

[11] الیزدی، السید محمد کاظم، العروه الوثقی، ج 2، ص 217.

[12] انظر: مکارم شیرازی، ناصر، آیات ولایت در قرآن، ص362-361.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    279437 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    257259 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    128146 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    113253 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    88998 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    59842 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    59554 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    56858 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    49748 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    47166 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...