بحث متقدم
الزيارة
8435
محدثة عن: 2012/04/19
خلاصة السؤال
ما المراد من قوله تعالى {إِنَّا سَنُلْقِی عَلَیْکَ قَوْلاً ثَقِیلاً }؟
السؤال
ما المراد من قوله تعالى {إِنَّا سَنُلْقِی عَلَیْکَ قَوْلاً ثَقِیلاً }؟
الجواب الإجمالي

المراد من القول الثقیل فی الآیة المبارکة هو القرآن الکریم، و قد وجهه المفسرون بتوجیهات متعددة، من قبیل أن: القرآن قول إلهی ثقیل من حیث تلقی معناه فإنه کلام إلهی مأخوذ من ساحة العظمة و الکبریاء لا تتلقاه إلا نفس طاهرة من کل دنس منقطع عن کل سبب إلا الله سبحانه. و من حیث القیام بما یشتمل علیه من أمر الدعوة و إقامة مراسم الدین الحنیف، و إظهاره على الدین کله فیشهد به ما لقی (ص) من المصائب و المحن فی سبیل الله و الأذى فی جنب الله على ما یشهد به الآیات القرآنیة الحاکیة لما لقیه النبی (ص) من المشرکین و الکفار و المنافقین و الذین فی قلوبهم مرض من أنواع الإیذاء و الهزء و الجفاء.

الجواب التفصيلي

الثقل کیفیة خاصة للاجسام، تؤدی الى صعوبة حمل الشیء و نقله الى مکان آخر، و قد تستعمل هذه المفردة "الثقل" فی غیر الاجسام المادیة استعمالا مجازیا على نحو الاستعارة، فیقال على سبیل المثال: کان الدرس الیوم ثقیلا؛ بمعنى أنه کان استیعابه من قبل التلامیذ ثقیلا و صعبا، أو یقال: ان الخطاب الیوم احتوى على ابحاث علمیة معقدة من الصعب تحملها و استیعابها من قبل عموم الناس. فقد جاء استعمال المفردة فی مثل هذه العبارات و اطلاقها على الامور المعنویة إذ مما لاریب فیه أن ثقل المطالب و الابحاث العلمیة لیس من قبیل ثقل الاشیاء المادیة، و هکذا اذا استعمل الکلمة فی الاوامر و النواهی التی یعصب تحملها و الثبات علیها.

و من هنا قال العلامة الطباطبائی (ره): فربما أضیف الثقل إلى القول من جهة معناه فعد ثقیلا لتضمنه معنى یشق على النفس إدراکه أو لا تطیق فهمه أو تتحرج من تلقیه کدقائق الأنظار العلمیة إذا ألقیت على الأفهام العامة، أو لتضمنه حقائق یصعب التحقق بها أو تکالیف یشق الإتیان بها و المداومة علیها.

و القرآن قول إلهی ثقیل بکلا المعنیین: أما من حیث تلقی معناه فإنه کلام إلهی مأخوذ من ساحة العظمة و الکبریاء لا تتلقاه إلا نفس طاهرة من کل دنس منقطع عن کل سبب إلا الله سبحانه، و کتاب عزیز له ظهر و بطن و تنزیل و تأویل تبیانا لکل شی‏ء، و قد کان ثقله مشهودا من حال النبی (ص) بما کان یأخذه من البرحاء و شبه الإغماء على ما وردت به الأخبار المستفیضة.

و أما من حیث التحقق بحقیقة التوحید و ما یتبعها من الحقائق الاعتقادیة فکفى فی الإشارة إلى ثقله قوله تعالى: «لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى‏ جَبَلٍ لَرَأَیْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْیَةِ اللَّهِ وَ تِلْکَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ یَتَفَکَّرُونَ»[1]، و قوله تعالى: «وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُیِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ کُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى‏»[2].

و أما من حیث القیام بما یشتمل علیه من أمر الدعوة و إقامة مراسم الدین الحنیف، و إظهاره على الدین کله فیشهد به ما لقی (ص) من المصائب و المحن فی سبیل الله و الأذى فی جنب الله على ما یشهد به الآیات القرآنیة الحاکیة لما لقیه النبی (ص) من المشرکین و الکفار و المنافقین و الذین فی قلوبهم مرض من أنواع الإیذاء و الهزء و الجفاء.

فقوله: «إِنَّا سَنُلْقِی عَلَیْکَ قَوْلًا ثَقِیلًا» المراد بالقول الثقیل القرآن العظیم على ما یسبق إلى الذهن من سیاق هذه الآیات النازلة فی أول البعثة، و به فسره المفسرون.

و الآیة فی مقام التعلیل للحکم المدلول علیه بقوله: «قُمِ اللَّیْلَ» إلخ فتفید بمقتضى السیاق- و الخطاب خاص بالنبی (ص)- أن أمره بقیام اللیل و التوجه فیه إلیه تعالى بصلاة اللیل تهیئة له و إعداد لکرامة القرب و شرف الحضور و إلقاء قول ثقیل فقیام اللیل هی السبیل المؤدیة إلى هذا الموقف الکریم و قد عد سبحانه صلاة اللیل سبیلا إلیه فی قوله الآتی: «إِنَّ هذِهِ تَذْکِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبِیلًا»..... و إذ کان من ثقل القرآن ثقله من حیث التحقق بحقائقه و من حیث استجابته فیما یندب إلیه من الشرائع و الأحکام فهو ثقیل على الأمة کما هو ثقیل علیه (ص). و معنى الآیة إنا سنوحی إلیک قولا یثقل علیک و على أمتک. أما ثقله علیه (ص) فلما فی التحقق بحقائقه من الصعوبة و لما فیه من محنة الرسالة و ما یتبعها من الأذى فی جنب الله و ترک الراحة و الدعة و مجاهدة النفس و الانقطاع إلى الله مضافا إلى ما فی تلقیه من مصدر الوحی من الجهد، و أما ثقله على أمته فلأنهم یشارکونه (ص) فی لزوم التحقق بحقائقه و اتباع أوامره و نواهیه و رعایة حدوده کل طائفة منهم على قدر طاقته.

و للقوم فی معنى ثقل القرآن أقوال أخر:

منها: أنه ثقیل؛ بمعنى أنه عظیم الشأن متین رصین کما یقال: هذا کلام له وزن إذا کان واقعا موقعه.

و منها: أنه ثقیل فی المیزان یوم القیامة حقیقة أو مجازا بمعنى کثرة الثواب علیه.

و منها: أنه ثقیل على الکفار و المنافقین بما له من الإعجاز و بما فیه من الوعید.

و منها: أن ثقله کنایة عن بقائه على وجه الدهر لأن الثقیل من شأنه أن یبقى و یثبت فی مکان. و غیر ذلک من التفسیرات.[3]



[1] الحشر، 21.

[2] الرعد، 31.

[3] العلامة الطباطبائی، السید محمد حسین، المیزان فی تفسیر القرآن، ج‏20، ص: 61- 63، مکتب النشر التابع لجماعة المدرسین فی قم، الطبعة الخامسة، 1417هـ.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

  • هل یصح أن یکون لنا أمل فی النجاة من عذاب یوم القیامة؟
    8614 العملیة 2010/07/15
    ما یمکن التوصل إلیه من خلال التعالیم الدینیة بأن الأمل برحمة الله و الخوف من عذابه خصصیتان تکمل إحداهما الأخرى، و یجب أن تتساوى کفتاهما فی نفس المؤمن، بمعنى أن المؤمن لا بد أن یکون على أملٍ کبیر برحمة الله من خلال أداء الواجبات و الامتناع عن ...
  • ما هی قصة ذبح عبد الله والد النبی (ص)؟
    6851 تاريخ بزرگان 2011/10/16
    الواقعة هی: إن عبد المطلب کان قد دعا الله عز و جل أن یرزقه عشرة بنین و نذر لله عز و جل أن یذبح واحدا منهم متى أجاب الله دعوته فلما بلغوا عشرة أولاد قال: قد وفى الله لی فلأفین لله عز و جل. فأدخل ولده الکعبة و أسهم بینهم ...
  • هل ان ابقاء العلکة تحت اللسان فی اثناء الصلاة فیه اشکال؟
    6144 الحقوق والاحکام 2009/11/11
    یقول الإمام الخمینی(قد) و باقی المراجع العظام:ابتلاع اجزاء الطعام المتبقّیة فیما بین الأسنان لایوجب بطلان الصلاة، و لکن إذا بقی القند أو السکّر و ما شابه ذلک فی الفم و ذاب بالتدریج اثناء الصلاة فابتلعه فإن فی صلاته اشکالاً.[1]
  • ما هو الایمان؟
    10587 الکلام الجدید 2007/08/22
    الایمان هو التعلق النهائی للانسان بالامور المعنویة التی یعتبرها مقدسة و یکون مستعداً لاظهار العشق و الشجاعة لأجلها.و للایمان فی القرآن جناحان: العلم و العمل، فالعلم لوحده یمکن ان یجتمع مع الکفر أیضاً، و العمل و حده یمکن ان یجتمع مع النفاق.و قد وجدت ثلاث نظریات حول حقیقة ...
  • من هی آسیة بنت مزاحم و کیف اصبحت أسوة للمؤمنین؟
    7177 تاريخ بزرگان 2010/12/01
    تعتبر آسیة بنت مزاحم بن الریان بن الولید فرعون یوسف الأول من النساء اللاوتی بلغن الذروة فی الایمان و الورع و کان من اهم ممیزات هذه المرأة انها قد جعل الله تعالى قضیة حفظ النبی موسى علیه السلام من شر فرعون؛ ولم یکن هذا کل ما قامت به، ...
  • هل ان مشاهدة السحر و مطالعة البحوث التی تتحدث عنه محرم او لا؟
    8754 الحقوق والاحکام 2008/02/19
    لقد حرم الاسلام السحر و اخذ الاجرة علیه، لکن أستثنی من ذلک حالة تعلمه من اجل ابطاله، اما النظر الى عمل السحرة او مشاهدة ذلک عن طریق التلفاز او القراءة عنه و عن الشعبذة فی الکتب و المجلات اذا لم یکن من اجل تعلمه فلا اشکال فیه، الا انه قد ...
  • ما هو موقف الأئمة و العلماء من الشعر؟
    7740 الحقوق والاحکام 2010/05/30
    قد یتوهم البعض ان الاسلام یقف موقف الضد من الشعر و الشعراء و لکن هذا توهم واضح.لا شک أن الذوق الشعری و الفن الشاعری کسائر رؤوس الأموال، له قیمته فی صورة ما لو استعمل استعمالا صحیحا و له أثر إیجابی ... إلّا أنّه إذا صار وسیلة تخریب و هدم ...
  • کیف یعلم الله بعمل الإنسان قبل أن یصدر عنه؟
    6141 الکلام القدیم 2009/10/22
    إن ما یثیر مثل هذا السؤال فی أذهاننا هو عدم الفهم الصحیح لعلاقة الله تعالى بالزمن. إن الله سرمدی و لیس زمانیاً. أی أن الله محیط بالزمان و لیس محدوداً به. و من الخطأ أساساً أن یقال کیف یکون لله علم بالمستقبل فی زمن سابق على وقوعه. لأنه لا وجود ...
  • هل یوجد تناقض بین حالة أمیر المؤمنین علی (ع) حین أعطى خاتمه للسائل، و حالة إخراج السهم من رجله دون ان یشعر به؟
    8268 درایة الحدیث 2007/09/10
    یمکن الإشارة فی الجواب إلی النکات التالیة:1. ان للانسان قدرة و استعداداً لأن یکتسب الکمالات عن طریق أداء الأعمال التی فرضها الله تعالی، و یصل إلی محل یکون حاصلاً علی جمیع الکمالات فینال مقام الانسان الکامل.2. ان نیل مقام الانسان الکامل لیس معناه أن تکون جمیع حالات الانسان ...
  • ما هی رؤیة الاسلام لمسالة التله باتی؟
    6998 الحقوق والاحکام 2009/02/18
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    283538 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    265949 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    132420 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    122486 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    92224 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    65203 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    64231 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    59353 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    55914 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • هل أن أكل سرطان البحر هو حرام؟
    52494 الحقوق والاحکام 2019/06/10
    لقد ورد معيار في أقوال و عبارات الفقهاء بخصوص حلية لحوم الحيوانات المائية حيث قالوا: بالاستناد إلى الروايات فان لحوم الحيوانات البحرية لا تؤكل و هذا يعني إن أكلها حرام[1]. إلا إذا كانت من نوع الأسماك التي لها فلس[2]، و ...