بحث متقدم
الزيارة
5394
محدثة عن: 2011/08/21
خلاصة السؤال
ما هو الفرق بین العلة و الدلیل فی الأحکام الشرعیة؟
السؤال
ما الفرق بین الدلیل و العلة؟ کما یقال مثلاً أن الدلیل الشرعی الفلانی له علة و لکن لیس له دلیل؟
الجواب الإجمالي

معنى الدلیل هو الشیء الذی یلزم من العلم به علم بشیء آخر و بواسطة الدلیل بإمکان العقل أن یصل إلى التصدیق الیقینی بصحة شیءٍ کان مورداً للشک.

نعم،  یری علماء أصول الفقه ان الدلیل یمکن ان یکون دلیلا محصلا للقطع و الیقین بالحکم و یمکن ان یکون المستند والدلیل أمراً ظنیا قد اضفى علیه الحکم الشارع الحجیة و الاعتبار.

و أما العلة باصطلاح الحکماء: فهی الشیء الذی یتوقف علیه وجود شیءٍ آخر، و هی خارج الشیء و مؤثر فیه. و اما العلة فی الأحکام الشرعیة فتعنی فلسفتها و حکمتها و التی یراى بها مصالح و مفاسد جعل الأحکام و تشریعها.

إذن فالفرق بین الدلیل و العلة فی المسائل الفقهیة یتلخص بالقول: الدلیل مقولة و قاعدة لإثبات الموضوع و الحکم الشرعی و بالاعتماد على الدلیل بإمکان المجتهد أن یستنبط حکماً للموضوع. أما العلة فهی فلسفة و حکمة الأحکام الشرعیة التی أقرها الله سبحانه للعباد و التی یعبر عنها بالمصالح و المفاسد، أما ما یقال من أن الحکم الفلانی له علة و لیس له دلیل فهذه عبارة غیر صحیحة، و ذلک لأن أی حکم شرعی إنما یثبت بالاعتماد على الأدلة القطعیة أو الظنیة التی أعطاها الشارع الاعتبار بشکل أو بآخر، و لا یوجد أی حکم شرعی دون دلیل، و لکن من الممکن أن تکون للحکم الشرعی علة و لکن لم نتوصل إلى إدراکها. إذن فالأمر بالعکس تماماً فالحکم الشرعی الفلانی له دلیل و لکننا لا نعلم علته. أو أن الله تعالى لم یبین العلة من أجل أن یربی فی عباده روح التعبد و العبودیة.

الجواب التفصيلي

من أجل أن یتضح الفرق بین الدلیل و العلة لا بد من تعریف کل منهما فی بدایة الأمر:

تعریف الدلیل:

المراد بالدلیل الحجة و البرهان الدال على صحة المدعى، و الدلیل فی اللغة یعنی المرشد، و الشیء الذی یوجب الإرشاد و الاستدلال، و فی الاصطلاح فالدلیل یعنی الشیء الذی یلزم من العلم به علم بشیءٍ آخر، و بواسطة الدلیل یمکن للعقل أن یصل إلى التصدیق الیقینی بصحة شیء کان مورداً للشک. [1]

نعم، یری علماء أصول الفقه ان الدلیل یمکن ان یکون دلیلا محصلا للقطع و الیقین بالحکم و یمکن ان یکون المستند والدلیل أمراً ظنیا قد اضفى علیه الحکم الشارع الحجیة و الاعتبار [2] . و علیه فالدلیل هو المبین للأحکام الواقعیة و الظاهریة للأشیاء، و هو عبارة ـ بشکل کلی ـ عن: (القرآن الکریم)، السنة (قول النبی الأکرم و فعله و تقریره و کذلک الأئمة المعصومین)، الإجماع و العقل.

تعریف العلة:

فی اصطلاح الحکماء العلة هی الشیء الذی یتوقف علیه وجود شیءٍ آخر و هو خارج الشیء و مؤثر به. [3]

وبعبارة أخرى: العلة تهب المعلول وجوده، و فی الواقع إن ما یأخذه المعلول من العلة هو تمام وجوده، و علیه فإذا لم تکن العلة موجودة فلا یمکن أن یوجد المعلول.

و المراد بالعلة فی الأحکام الشرعیة فلسفتها و حکمتها، و یطلق علیها المصالح و المفاسد بالنسبة للجعل و التشریع، أی أن الأحکام الشرعیة أقرت على أساس المصالح و المفاسد المتعلقة بالإنسان، و قد بینت بعضها بشکل کلی و بعضها بشکل جزئی فی الآیات و الروایات.

 

الفرق بین الدلیل و العلة:

بالعودة إلى تعریف کل من الدلیل و العلة فیمکن أن یقال أن الفرق بین الدلیل و العلة فی المسائل الفقهیة یتلخص بالآتی:

إن الدلیل مقولة و قاعدة لإثبات الموضوع و الحکم الشرعی و بالاعتماد على الدلیل یتمکن المجتهد من استنباط أحکام الموضوعات، أما العلة فهی فلسفة و حکمة جعل و تشریع الأحکام الشرعیة التی فرضها الشارع المقدس على الإنسان و التی یعبر عنها بالمصالح و المفاسد.

و علیه یمکن القول أن الدلیل فی الأحکام الشرعیة نوع "علم و اطلاع" و أما بالنسبة للعلة و المعلول فیقال "نوع رابطة بین شیئین" و لیس من الصحیح استعمال مصطلحی (الدلیل و العلة) فی معنىً واحد.

و قد تبین علة بعض الأحکام الشرعیة فی بعض أدلة الأحکام و تسری هذه العلة فی الموضوعات الأخرى و التی هی من مصادیق هذه العلة، و یطلق على هذا النوع من العلل مصطلح "العلة المنصوصة" بمعنى العلة المصرح بها فی الآیات و الروایات [4] .

 

أما ما یقال من أن الحکم الفلانی له علة و لیس له دلیل فهذه عبارة غیر صحیحة، و ذلک لأن أی حکم شرعی إنما یثبت بالاعتماد على الأدلة القطعیة أو الظنیة التی أعطاها الشارع الاعتبار بشکل أو بآخر، و لا یوجد أی حکم شرعی دون دلیل، و لکن من الممکن أن تکون للحکم الشرعی علة و لکن لم نتوصل إلى إدراکها. إذن فالأمر على العکس تماماً فالحکم الشرعی الفلانی له دلیل و لکننا لا نعلم علته. أو أن الله تعالى لم یبین العلة من أجل أن یربی فی عباده روح التعبد و العبودیة.

للاطلاع یمکن الرجوع إلى:

1ـ فلسفة و حکمة الأحکام الفقهیة، 8993 (کاربر)

2ـ مصادر بیان حکمة الأحکام و المخلوقات، السؤال 4655 (الموقع: 5190).



[1] صلیبا، جمیل و صانعى دره بیدی، منوچهر، المعجم الفلسفی، ص 351، انتشارات حکمت، طهران، الطبعة الاولى، 1366ش.

[2] نفس المصدر.

[3] نفس المصدر، ص477.

[4] الامام الخمینی، سید روح الله، انوار الهدایة، ج 1، ص 263، مؤسسه تنظیم و نشر آثار الامام الخمینی، 1415 ق؛ ملا صالح المازندرانی، حاشیه معالم الدین، ص 243، نشر مکتبة الداوری؛ النائینی، محمد حسین، فوائد الاصول، ج 2، ص 555 – 556، دفتر النشر الاسلامی، 1417ق.

 

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    279231 العملیة 2012/08/13
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    256485 التفسیر 2015/05/04
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    127923 العملیة 2012/03/12
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    112344 علوم القرآن 2012/03/12
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    88803 التفسیر 2012/05/15
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    59326 الکلام القدیم 2012/09/20
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    59213 الکلام القدیم 2012/11/17
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    56747 الفلسفة الاخلاق 2012/05/17
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو الذنب الذي ارتكبه النبي يونس؟ أ ليس الانبياء مصونين عن الخطأ و المعصية؟
    48973 التفسیر 2012/11/17
    عاش يونس (ع) بين قومه سنين طويلة في منطقة يقال لها الموصل من ارض العراق، و لبث في قومه داعيا لهم الى الايمان بالله، الا أن مساعيه التبليغية و الارشادة واجهت عناداً و ردت فعل عنيفة من قبل قومه فلم يؤمن بدعوته الا رجلان من قومه طوال ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    46997 العملیة 2012/09/13
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...